حزب الله في طريقه للانتصار الثالث
لم يعد يُخفي المحللون الصهاينة قلقهم من أن حزب الله يسير نحو الانتصار للمرة الثالثة، ويفرض على "إسرائيل" الانسحاب من جنوب لبنان مرةً أخرى. لكن المختلف هذه المرة أن الانسحاب يمر من تحت أعين قادة الاحتلال الإسرائيلي ومؤسساته الأمنية والعسكرية، خلافًا لانسحاب عام 2000، الذي جاء بعد 18 عامًا من حرب استنزاف خاضها الحزب ضد "إسرائيل"، وفي نهايتها فقدت المؤسسة الأمنية والعسكرية قدرتها على تبرير وجودها في جنوب لبنان أمام جمهورها، بسبب التكلفة البشرية التي تُدفع دون قيمة سياسية حقيقية.
أما الانسحاب الذي جاء في حرب تموز 2006، فقد كان نتيجة اتفاق وقف إطلاق النار الذي وافق عليه لبنان و"إسرائيل"، ويقضي بوقف الحرب. ولعل الميزة التي منحت الحزب تفوقًا هي انكشاف الجبهة الداخلية الإسرائيلية أمام إطلاقاته الصاروخية؛ إذ لم تكن "إسرائيل" تمتلك في حينه أنظمة دفاع جوي قادرة على التصدي للصواريخ قصيرة المدى. وبالتالي، شكّلت ضربات الحزب الصاروخية على منطقة حيفا وشمالها، حتى الحدود اللبنانية، تحديًا أمام الجيش عجز عن التعامل معه، خاصة بعد ضربة معسكر الجيش الواقع في صفد، والتي أدت إلى مقتل عدد من الجنود.
لكن المختلف هذه المرة أن النصر الذي سيحققه حزب الله يتمثل في الخلل الاستراتيجي الذي وقعت فيه "إسرائيل" بعد فشلها في حسم المعركة مع إيران، ونجاح إيران في ربط ملف وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة الأمريكية بملف لبنان.
وهذا الربط، الذي نجحت فيه إيران، يوفر بيئة وفضاءً حيويًا للحزب، يستطيع من خلاله إدارة المعركة ضمن حدود جنوب لبنان، حيث بدأ ميزان التفوق يميل لصالحه. فقرى الجنوب مهجّرة، وللحفاظ على الأرض، يتعيّن على الاحتلال مواصلة انتشار قواته، وهو ما يؤدي إلى تعرّضها لهجمات من الحزب، الذي يملك بنية عسكرية مدرّبة وإمكانات وخططًا لتنفيذ سلسلة من الهجمات القاتلة. وبالتالي، ستُضطر حكومة نتنياهو إلى النزول عن شجرة احتلال حزام أمني في جنوب لبنان والانسحاب منه؛ لأن المنطق العسكري يقول إن الجيش ينسحب من المكان الذي لا يستطيع حماية قواته فيه.
إن الفشل الاستراتيجي الذي تواجهه "إسرائيل" في جنوب لبنان، وفي حربها مع إيران، توقّعه كثير من المحللين، الذين يرون أن أعضاء الحكومة الحالية لا يملكون القدرة أو الكفاءة المهنية لإدارة الحرب، وأنهم منشغلون بالحفاظ على صورة القوة ومظاهرها، مثل تدمير وتفجير القرى اللبنانية، لكنهم لا يفهمون حدود القوة وكيفية تحويلها إلى إنجازات سياسية.
ويبقى مثال ألمانيا النازية مثالًا صارخًا في التاريخ، حيث فشلت دولة ركّز قادتها على الانتصارات واستعراض القوة وسحق الشعوب، على حساب الفهم السياسي لحدود القوة، وكيف يمكن تحويلها إلى إنجازات سياسية.
إن ألاعيب نتنياهو السياسية عادت من جديد، وهو يحاول تشتيت الانتباه عن فشله في جنوب لبنان، عندما قال إن "إسرائيل" تحاول منذ 40 سنة نزع سلاح حزب الله. وقد حاول الهروب من الفشل عبر تسويقه بوصفه جزءًا من سلسلة الإخفاقات التي مُنيت بها "إسرائيل" سابقًا خلال محاولاتها نزع سلاح الحزب، والتي بدأت بشكل فعلي منذ عام 2005 عبر القرار 1559، بعد حادثة اغتيال الحريري والانسحاب السوري من لبنان.
لكن هذه المرة، جاء فشل نتنياهو بعد عملية استعراضية خاضها عقب ضربة أجهزة البيجر واغتيال الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، والتي ادّعى فيها أنه أنهى وجود الحزب.
يؤشر قرار الحزب الدخول في المعركة إلى جانب إيران إلى أهمية القرار الذي اتخذه للخروج من دوامة الاتفاق السابق؛ إذ لم يكن ليجد لحظة تاريخية أفضل من الوقوف إلى جانب قوة إقليمية تمتلك من المقدّرات والموارد والجغرافيا ما يمكّنها من المواجهة وفرض المعادلات السياسية. خاصة أن الحرب الأولى، التي انتهت في نهاية عام 2024، لم تستطع الجمهورية الإسلامية إدماج معركة الحزب ضمن منظومة صنع القرار لديها لتكون إلى جانبها. ويعود ذلك إلى فهم الدول لطبيعة علاقاتها وصورتها أمام العالم؛ إذ إن الحروب الدفاعية عادةً ما تكون الأكثر قدرة على منح الدول شرعية داخلية وخارجية. كما أن إيران، بوصفها دولة، لا تستطيع الانجرار إلى حروب ترسم أجندتها منظمات سياسية. لكن اللحظة التاريخية وشجاعة القرار خدمت رؤية الحزب، التي رأت في اتفاق 2024 اتفاقًا مؤقتًا ومشوّهًا يجب الخروج منه، فاختارت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران، متحمّلة البدايات الصعبة والحملات التي شُنّت على قرارها.
إن محاولة الإدارة الأمريكية الخروج من المأزق الاستراتيجي الذي دخلت فيه نتيجة الحرب على إيران، والذي أدخل سوق الطاقة العالمي وقطاع الزراعة في حالة من الاضطراب، ستجعل هامش مناورة نتنياهو محدودًا في الملف اللبناني، في ظل إصرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أن يبقى لبنان جزءًا من أي اتفاق معها. وبالتالي، فإن المحللين الصهاينة يرون الفشل، بينما يمرّ نجاح حزب الله من تحت أعينهم هذه المرة.