لقد انتهى النظام العالمي الذي عرفناه
ترجمة الهدهد
يومياً، تتصدر العناوين أخبارٌ عن تحولاتٍ تاريخيةٍ هائلة أدت إلى تغييراتٍ جيوسياسية واسعة النطاق؛ فالتاريخ يُعاقب من يسير على خطاه التقليدية ولا يُدرك التغيير في حينه، بالنسبة لنا في "إسرائيل"، ونحن في قلب العاصفة وعلى رأس جبهة التغيير الدامية، يصعب علينا الربط بين الأحداث؛ إذ إن الخوف من الإنذار التالي، والصدمة الوطنية من حرب الجبهات السبع، والاستعدادات للانتخابات القادمة تُخدر حواسنا عن رؤية الصورة الكلية، ومع ذلك فإن ثلاثة أحداثٍ وقعت هذا الأسبوع تُجسد عمق هذا التغيير.
رفضت شركة "أنثروبيك"، عملاقة الذكاء الاصطناعي، طرح نموذجها الأكثر تطوراً "ميث" للجمهور؛ والسبب أنه كان متطوراً للغاية، حيث أظهر قدراتٍ على شنّ هجمات إلكترونية ذاتية، بل وأظهر قدرته على "خداع" مختبريه للتحايل على أنظمة التحكم، قام مهندسو الشركة بعزله خلف حواجز رقمية، ودعوا شركاءهم التقنيين لاستخدامه في بيئة آمنة لأغراض دفاعية، وقد لاقى هذا القرار الجريء صدىً واسعاً في وول ستريت وواشنطن وبكين.
تخيّل لو أن شركةً تابعةً للحزب الشيوعي الصيني حققت مثل هذا الإنجاز، هل كانت ستُنبّه العالم إلى المخاطر وتدعو أفضل العقول إلى التفكير معاً؟ لقد أجاب فيروس كورونا بالفعل على هذا السؤال.
أصدرت الحكومة الأمريكية في الأشهر الأخيرة سلسلة من أوراق الموقف -استراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض، ووثيقة "الذكاء الاصطناعي والفجوة الكبرى" التي أعدها المجلس الاستشاري الاقتصادي للرئيس، ووثيقة البنتاغون التي وضعت قسم الذكاء الاصطناعي في حالة تأهب قصوى- والتي تُصوّر هذا التحول على أنه سباق تسلح حقيقي، ومن المتوقع أن تستثمر الشركات الأمريكية الست العملاقة أكثر من 600 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هذا العام.
حتى الآن، بدأت كل ثورة تكنولوجية في تاريخ البشرية تأثيرها على الطبقة العاملة ثم ارتقت سلم المهارات؛ فالمحرك البخاري، والكهرباء، والجرار، والروبوت بدأت جميعها بالطبقة العاملة أولاً، أما هذه الثورة فهي الأولى التي تُقلب الوضع رأسًا على عقب، إذ تبدأ بـ "الطبقة البيضاء اللامعة"، وفي هذه المرحلة تُجنّب الطبقة العاملة بل وتخلق لها ميزة نسبية وزيادة في الأجور.
انخفاض القيمة السوقية بعشرات النسب المئوية
كان تأثير النماذج الجديدة على شركات الحوسبة السحابية في الكيان بالغاً؛ فقد شهدت شركات رائدة في اقتصاد الكيان -مثل Fiverr وLemonade وWix وMonday- انخفاضاً في قيمتها السوقية بنسب تصل إلى 10%، كما تسير شركات الأمن السيبراني على نفس الدرب، ويزيد ارتفاع قيمة الشيكل من حدة المخاطر؛ فهل هذه هي البوادر الأولى لإعادة ابتكار واعدة لقطاع التكنولوجيا المتقدمة في الكيان؟
فتحت "اتفاقيات أبراهام" الباب أمام تحالف إقليمي بين "إسرائيل" و"المحور السني المعتدل"، وكان أبرز ما فيها التطبيع الذي تم مع السعودية حتى قبل السابع من أكتوبر، إلا أن الهجوم الإيراني على دول الخليج، وفشل ولي العهد السعودي الواضح في إطلاق "إصلاح 2030"، وخيانة الرئيس الإماراتي بن زايد آل نهيان، تشير إلى أن السعودية ليست معتدلة على الإطلاق، ولا تصلح لأن تكون المحور الشرقي لاستراتيجية الكيان الإقليمية.
أفاد موقع "أكسيوس" هذا الأسبوع أن "نتنياهو" ورئيس الإمارات أجريا محادثة في بداية الحملة الحالية مع إيران، أسفرت عن أول شحنة على الإطلاق من بطاريات نظام "القبة الحديدية" لحماية سماء دولة عربية.
ويُفترض أن فرقاً من القوات الجوية التابعة للعدو وأخرى عربية قامت بتدريب نظرائها وربط البطاريات بأنظمة الكشف التابعة لـ "سلاح الجو الإسرائيلي" والقيادة المركزية الأمريكية.
يدرك بن زايد أنه يمر بلحظة حاسمة بالنسبة للأمة التي يقودها؛ فمنذ وقف إطلاق النار، انسحب من منظمة أوبك (التي تُعد إيران عضواً فيها)، وأعلن عن خطة لتحويل 50% من الخدمات الحكومية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، واستثمر 2.3 مليار دولار في البنية التحتية للسكك الحديدية في الأردن، ووقع عقد إيجار لمدة 30 عاماً لميناء العقبة.
وفي الوقت نفسه قطعت أبو ظبي خط ائتمان بقيمة مليار دولار عن باكستان، وصرح مستشار الأمن القومي للإمارات بأن "إيران أثبتت أنها عدو". ويُشير غياب المصالحة الإماراتية السعودية في خضم القتال إلى الاختلاف الجوهري بين أبو ظبي وقطر والسعودية وبقية الدول، ومن المتوقع أن يتعمق التحالف بين الهند والإمارات وكيان العدو (التحالف الهندي-الإبراهيمي).
المعضلة الكبرى للصين
وصف الرئيس الصيني السابق هو "جين تاو" مضيق ملقا بأنه "المعضلة الكبرى للصين"؛ كان يعلم أنه إذا لم تسيطر بلاده على هذا المضيق الحيوي، فستكون عرضة للابتزاز، بعد 20 عاماً، يشهد المضيق -الذي يمر عبره نحو 30% من تجارة النفط البحرية العالمية، و40% من إجمالي التجارة البحرية، و90% من واردات الصين من النفط البحري- تحولاً جذرياً في ظل أحداث مضيق هرمز.
فور بدء الحصار الإيراني، أعرب وزير خارجية سنغافورة (التي تدير أحدث ميناء في منطقة ملقا) عن معارضته الشديدة لأي استسلام لإيران، إذ أدرك أن تحصيل رسوم العبور من قبل العملاقين المجاورين لها -إندونيسيا وماليزيا- سيضر بشدة بمستقبل سنغافورة الاقتصادي.
في 7 أبريل، استخدمت الصين وروسيا حق النقض (الفيتو) ضد قرار في مجلس الأمن لحماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، رأى الأمريكيون في ذلك فرصة سانحة، فسعوا إلى إتمام مفاوضات استمرت سنوات بشأن اتفاقية دفاعية مع إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية في العالم، والتي تسيطر على مضيق ملقا.
وفي 13 أبريل، وقّع وزير الحرب الأمريكي "شراكة دفاعية أساسية" مع نظيره الإندونيسي، تشمل الاتفاقية التطوير المشترك لـ "قدرات غير متكافئة متقدمة"، وأنظمة بحرية وتحت مائية ذاتية التشغيل، وتدريب القوات الخاصة، والصيانة العسكرية المشتركة.
أما البند الحاسم فيتمثل في منح القوات الجوية الأمريكية حقوقاً غير مقيدة في المجال الجوي الإندونيسي؛ ما سيقلل بشكل كبير من أوقات الاستجابة الأمريكية في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان والمحيط الهندي، ويسمح لها بفرض حرية التجارة البحرية من الجو.
أضف اليابان إلى الصورة؛ إذ تعمل رئيسة الوزراء الجديدة "تاكايتشي" على الوفاء بوعدها بتغيير المادة التاسعة من الدستور التي تفرض موقفاً سلمياً على اليابان، وقد ارتفعت ميزانية الدفاع اليابانية هذا العام إلى مستوى قياسي بلغ 58 مليار دولار.
هذا الأسبوع سمحت "تاكايتشي" للشركات المحلية بتصدير تقنيات عسكرية متطورة استناداً إلى تصريحها بأن "الحصار الصيني لتايوان يهدد وجود اليابان"، بل إن طوكيو بدأت بالفعل بنشر صواريخ بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف على الأراضي الصينية، وبعد زيارة رئيسة الوزراء للبيت الأبيض، تم الاتفاق على توسيع مقر القوات المشتركة حول الأسطول السابع الأمريكي.
التناظر واضح: هرمز محصنة من الغرب، وملقا محصنة من الشرق
سلسلة الجزر الأولى -جزر الكوريل واليابان وأوكيناوا وتايوان والفلبين- تخضع الآن لسيطرة أمريكية فعّالة، يبدو أن الاستراتيجي المؤثر "إلبريدج كولبي" يُحقق الفكرة المحورية التي وضعها في كتابه "استراتيجية الإنكار" لضمان مئة عام أخرى من الهيمنة الأمريكية، والمتمثلة في منع الهيمنة الصينية.
المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "جوناثان أديري"