"ترامب" يهز ركائز التحالفات العالمية
ترجمة الهدهد
بدأ نظام الأمن الجماعي العالمي الذي صممته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية بالتفكك من الداخل، إثر قرار الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" سحب نحو 5000 جندي أمريكي من أصل 45 ألفاً متمركزين في ألمانيا.
وجاءت هذه الخطوة لتضرب جذور الترتيبات التاريخية لمؤتمر "بريتون وودز" عام 1944، والتي قامت على معادلة منح ألمانيا واليابان مظلة أمنية أمريكية وأسواقاً مفتوحة مقابل كبح طموحاتهما العسكرية والالتزام بالسلمية؛ وهي المعادلة التي يرى "ترامب" اليوم أنها أصبحت غير عادلة وتثقل كاهل الميزانية الأمريكية دون دعم متبادل من الحلفاء.
وتفجرت الأزمة الحالية على خلفية رفض برلين وطوكيو طلب واشنطن المشاركة العسكرية في مضيق هرمز لفتح الممرات الملاحية ومواجهة التهديدات الإيرانية، بدعوى تجاوز ذلك للخطوط الدستورية السلمية لكلا البلدين.
وأخذ الرفض الألماني طابعاً تصادمياً غير مألوف بعد تصريح وزير الدفاع الأمريكي "بوريس بيستوريوس" بأن "هذه ليست حربنا"، تلاه هجوم حاد من المستشار "فريدريش ميرز" الذي اعتبر أن واشنطن "تتعرض للإذلال" من إيران؛ ما دفع "ترامب" للرد بعنف عبر منصة "تروث سوشيال"، مطالباً ميرز بالتركيز على إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية وإصلاح بلاده "الممزقة" بدلاً من التدخل في الشؤون الأمريكية.
ولم تكن الجبهة الآسيوية أقل اشتعالاً؛ ففي مارس 2026، اندلعت أزمة سياسية في طوكيو إثر رفض رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة "سناء تاكايتشي" طلب "ترامب" إرسال كاسحات ألغام وقوات بحرية لمضيق هرمز.
وخلال قمة بالبيت الأبيض في 19 مارس، أبلغت "تاكايتشي" "ترامب" بالتزام بلادها بالحدود البيروقراطية لدستورها السلمي، مما أثار غضب الإدارة الأمريكية وموجة انتقادات داخل البرلمان الياباني من مغبة تعريض "المظلة الأمنية" للخطر ومواجهة ردة فعل اقتصادية أمريكية عكسية؛ وهو ما يترجم تنبؤات "ترامب" القديمة التي انتقد فيها تحالفاً تلتزم فيه أمريكا بحماية اليابان دون أي التزام متبادل.
وفي المقابل، تعيش ألمانيا تناقضاً استراتيجياً صارخاً تحت اسم "Zeitenwende" (نقطة التحول التاريخية)؛ فبينما تتردد في دعم واشنطن بمواجهة إيران، تسارع بخطى حثيثة لتجهيز بنيتها التحتية العسكرية، مثل تكييف ميناء "بريمرهافن" لنقل الدبابات الثقيلة، ودراسة تحويل مصانع مدنية مثل "فولكس فاجن" لإنتاج دفاعي بالتعاون مع "شركات إسرائيلية" ترقباً لصدام مستقبلي مع روسيا.
وتواجه هذه الطموحات عقبات ميدانية جمة تتمثل في نقص القوى العاملة، مما دفع برلين لاعتماد تعديل قانوني صامت يُلزم ملايين الرجال في سن التجنيد بالحصول على إذن مسبق للسفر للخارج لأكثر من 3 أشهر، لتعزيز قدرة الدولة على إدارة مواردها في أوقات الطوارئ.
وفي المحصلة، فإن قرار "ترامب" خفض القوات في ألمانيا – والذي يقع ضمن صلاحياته التنفيذية دون الحاجة للكونغرس – يمثل الشرارة الأولى لإعادة النظر في التزامات أمريكا الدولية؛ فالمعادلة باتت بسيطة: "لا مبرر لمظلة أمنية لا يتحمل الحلفاء عبأها".
هذا الفراغ الاستراتيجي والشرخ العميق داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" يمنح الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مكسباً استراتيجياً مجانياً لإضعاف الحلف، كما يتيح للرئيس الصيني "شي جين بينغ" فرصة ذهبية لاختبار مدى صمود التحالفات الأمريكية في آسيا وقت الحقيقة، لتجد أوروبا واليابان أنفسهما أمام واقع جديد يتآكل فيه المرسي الأمريكي المستقر.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ " كوبي باردا"، المدرسة متعددة التخصصات في معهد HIT وباحث أول في معهد JPPI.