لن تتفكك حماس طواعية.. فماذا نفعل؟
ترجمة الهدهد
مقال رأي
شكل الاتفاق المكون من عشرين بنداً، والذي قاده الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، نقطة تحول في الحرب؛ حيث وُقّع بعد أشهر من القتال الشرس والمفاوضات والمناورات الدبلوماسية المعقدة، وعكس محاولة للجمع بين الإنجازات العسكرية للجيش الإسرائيلي" وحل سياسي يسمح بإنهاء القتال في غزة.
واليوم وبعد مرور سبعة أشهر، يمكن القول إن الاتفاق قد حمل بالفعل أخباراً سارة، تمثلت في عودة جميع الأسرى، الأحياء منهم والأموات، وطيّ صفحة مؤلمة ودامية من تاريخ الكيان، علاوة على ذلك، سمح الاتفاق لـ "الجيش الإسرائيلي" بالحفاظ على سيطرته العملياتية على معظم أراضي قطاع غزة، وهي المنطقة المعروفة باسم "الخط الأصفر"، حيث يواصل فيها "الجيش" تفكيك البنية التحتية للمقاومة بشكل منهجي، في حين رُبطت إعادة إعمار غزة المدنية بنزع سلاح "حماس" مبكراً ونزع سلاح القطاع، مع ترك مسألة الهجرة مفتوحة.
كما أن إنشاء "مجلس السلام" الذي أطلقه "ترامب" -وهو هيئة دولية جديدة حلت محل الأمم المتحدة التي تُوصف بالمعادية لـ "إسرائيل"- قد نقل السلطات المدنية في قطاع غزة إلى أيدٍ أكثر حيادية، وهي خطوة عززت بشكل كبير شرعية "إسرائيل" الدولية، وخففت إلى حد ما الضغط الدبلوماسي الممارس عليها.
ومع ذلك، إلى جانب هذه المزايا، تضمن الاتفاق عيوباً أيضاً؛ أولها السماح بدخول قوة دولية أجنبية إلى قطاع غزة تُعرف بـ "قوة الاستقرار الدولية"، وهي خطوة تثير مخاوف بشأن فقدان "إسرائيل" سيطرتها على القطاع.
وثانياً، أبقى الاتفاق في البداية حركة "حماس" في السلطة، بل وسمح بدخول كميات هائلة من المساعدات الإنسانية، ما عزز فعلياً سيطرة الحركة ووفر لها موارد أساسية.
وثالثاً، تضمن الاتفاق إشارة صريحة إلى قوة شرطة فلسطينية مسلحة وإلى فكرة "الدولة الفلسطينية"، وهي فكرة تعارضها "دولة إسرائيل" وتعتبرها خطراً طويل الأمد.
وفي المرحلة الأولى، كان من المفترض إنشاء "حكومة تكنوقراطية" في غزة، ولكن كان من الواضح للفطرة السليمة أن حماس ستستخدم كل قوتها للسيطرة على هذه الحكومة، تماماً كما فعل حزب الله في لبنان، باستخدام التهديدات والرشوة والترهيب.
لقد استغلت حماس هذه الفترة الانتقالية لتعزيز حكمها عبر المساعدات الهائلة، مروجة لصورة الأمور تسير كالمعتاد لإقناع المجتمع الدولي بأنها لا تزال قوة قائمة، بينما واجهت مفاوضات نزع سلاحها صعوبات متوقعة؛ إذ رفضت الحركة المطلب الأساسي بنزع السلاح الكامل لإدراكها أن ذلك يعني القضاء على سلطتها.
ورغم تصريحات "مجلس السلام" ومسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، بمن فيهم وزير الخارجية "ماركو روبيو"، بضرورة نزع السلاح، إلا أن متحدثي حماس يواصلون الرفض، مما يعني انتهاكاً جوهرياً للاتفاق يمنح "إسرائيل" الحق في استخدام القوة لإتمام المهمة.
وفي المقابل، أحسنت "إسرائيل" استغلال هذه الأشهر السبعة بتدمير البنى التحتية في أراضي "الخط الأصفر" على نطاق أوسع مما كان متوقعاً، حيث استمرت العمليات لتشمل البنى فوق الأرض وتحتها، مع إنشاء حاجز محيطي وسّعه الجيش لخلق واقع أمني يمنع تحرك قوات الحركة بحرية.
خلال فترة عملية "زئير الأسد" ضد إيران ولبنان، لم تبادر حماس بأي نشاط هجومي، كما أن إيران لم تشرك الحركة في مطالب وقف إطلاق النار، تزامناً مع تراجع الدعم العربي لحماس، وخاصة من قطر، بسبب موقف الحركة المتساهل ورفضها إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وهو وضع يُذكّر بموقف عرفات خلال غزو صدام حسين للكويت.
وعند فحص حالة الإنجازات مقابل أهداف الحرب التي حُددت في أكتوبر 2023، نجد أن هدف عودة الأسرى قد تحقق بالكامل وبسرعة، مما خفف الضغط الشعبي والسياسي، كما تحقق هدف استعادة الأمن لسكان الغلاف بنسبة كبيرة عبر إنشاء منطقة عازلة وعودة السكان بمعدلات تفوق ما قبل الحرب، وتحسن الشعور بالأمان الشخصي تدريجياً.
أما الهدف المتعلق بإنهاء حالة الحرب فقد تحقق جزئياً، حيث لا تشكل غزة حالياً تهديداً مباشراً، لكن استكمال تحييد قدرات الحركة يظل ضرورياً لضمان عدم عودة التهديد مستقبلاً، ويبقى الهدف الأول المتمثل في تدمير القدرات العسكرية والبنية الحكومية لحماس والجهاد الإسلامي مفتوحاً وغير محقق بالكامل؛ فرغم قتل معظم القادة البارزين، لا تزال الحركة تسيطر على مساحات واسعة وسكان القطاع، وتسعى لإعادة بناء قدراتها.
ومع ذلك فإن الوقت يصب في مصلحة "إسرائيل" التي تعمل الآن دون ضغط زمني لغياب الأسرى والتهديد المباشر للمستوطنات، مما يسمح بتحقيق التقدم بطريقة متوازنة ومدروسة، واستغلال الفرص المتاحة مع إتمام الأهداف في إيران.
لقد برزت قضية الهجرة كحل طويل الأمد لتغيير الواقع، حيث يزداد تدفق اللاجئين عبر معبر رفح تحت إشراف "إسرائيلي"، مع الأمل في توسع هذه العملية لتقليص قاعدة دعم حماس، وتبرز المادة (17) من اتفاقية النقاط العشرين كأداة لإضعاف الحركة عبر بدء إعادة الإعمار في المناطق التي طهرها "الجيش" وتجهيز بنية تحتية مؤقتة لاستيعاب السكان النازحين من مناطق سيطرة حماس فيما يشبه فكرة "المدينة الإنسانية"، مما يؤدي لعزل السكان عن قبضة الحركة.
ويضاف إلى ذلك أداة التعاون مع ميليشات معارضة لحماس التي بدأت تدير خلايا ميدانية بالتنسيق مع "الجيش الإسرائيلي"، ووردت أنباء عن عمليات مشتركة شنتها هذه الميليشات ضد الحركة بسبب رفضها نزع السلاح، مما يساهم في تحقيق الأهداف دون لجوء دائم للقوة العسكرية المباشرة.
وفيما يخص الخطة المستقبلية، لا يمكن تجنب العمل العسكري المباشر، ولكن يجب تنفيذه عبر تقسيم المناطق المتبقية لـحماس إلى "شرائح" جغرافية، والبدء من شمال القطاع باتجاه الجنوب. تتضمن الخطة إخلاء السكان المدنيين وتخييرهم بين مناطق سيطرة حماس أو مناطق سيطرة "الجيش الإسرائيلي" المجهزة بالبنية التحتية، ثم فرض حصار كامل وبدء عملية تدمير منهجي للبنية التحتية.
ولا تتطلب هذه الخطة حشداً استثنائياً، إذ يمكن لفرقة نظامية واحدة تنفيذ المهمة بكفاءة، بالتوازي مع توسيع نطاق الهجرة والتدقيق الأمني، ومن المتوقع أن يؤدي هذا الضغط العسكري، المقترن بفتح باب الهجرة، إلى تفكك حماس أو استسلامها كما حدث في عملية "عربات جدعون 2".
إن الجمع بين الضغط العسكري واستنزاف الموارد والبديل الحكومي المتمثل في "مجلس السلام" وتعاون الميليشات سيؤدي لدمج قطاع غزة الجديد في المحاور الاقتصادية الإقليمية، مؤكداً رؤية الرئيس "ترامب" بأن السلام المستدام لا يتحقق إلا بالقوة.
المصدر: "القناة 12"/ "إيريز وينر" ترأس فريق التخطيط العملياتي للقيادة الجنوبية، "غابي سيبوني" قائد دورية جولاني.