ترجمة الهدهد

يقود التيار الفكري داخل الصهيونية الدينية والمعروف باسم "توراة همدينا" بالتعاون مع "مركز ياكين" حملة مدعومة سياسياً لتغيير مدونة الأخلاق الخاصة "بجيش العدو الإسرائيلي" واستبدالها برؤية تستند إلى الشريعة اليهودية (الهالاخاه).

ويسعى هذا المشروع، الذي أُطلق في شرقي القدس عبر كتاب "مُعيد الروح"، إلى إلغاء المفاهيم الليبرالية والعالمية التي صاغها البروفيسور آسا كاشر، وتحويل الحرب من مفهوم "ضرورة سياسية" إلى "فريضة إلهية ومسيرة خلاص" تقتدي بالملك داود والمكابيين، بما يزيل القيود القانونية والأخلاقية عن المقاتلين اليهود في الميدان.

وتحظى هذه المبادرة بدعم مباشر من شخصيات رفيعة في هرم حكومة العدو، يتقدمهم رئيس لجنة الدستور "سيمحا روتمان"، الذي أعلن بوضوح أن زمن المدونة الأخلاقية القديمة قد انتهى، وأن "الدولة اليهودية" بحاجة إلى قتال يجمع بين "القوة والقداسة".

كما يبرز اسم "مئير بن شبات" الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي للعدو، كأحد الصياغ والمؤيدين الأساسيين لهذه الوثيقة البديلة، مما يمنح المشروع صبغة استراتيجية تتجاوز النطاق الديني الضيق إلى مراكز القرار الأمني والتشريعي.

جسّد الحاخام "أبراهام زيربيب" رئيس المدرسة التحضيرية في "بيت إيل"، النموذج العملي لهذه العقيدة الجديدة؛ حيث اشتهر خلال الحرب على غزة بقيادة جرافة D9 لهدم المباني السكنية، مروجاً لمبدأ "النصر المطلق" الذي لا يميّز بين مقاتل ومدني.

وقد دعا "زيربيب" في كلمته إلى كسر "وعي الهزيمة" وفرض أخلاقيات التوراة التي تُشرعن "تسوية المناطق بالأرض" وتدمير "عداء اليهود دون الالتفات للقوانين الدولية، معتبراً أن الجبهة الداخلية وجيش العدو لن يصمدا دون "الروح التوراتية" التي تفتقر إليها الوثيقة الحالية.

وعلى الصعيد التشريعي، يعمل "مركز ياكين" كذراع بحثي لتغلغل هذه الأفكار في قوانين الكيان، حيث نجح في توسيع صلاحيات المحاكم الحاخامية لتشمل القضايا المدنية، ويسعى لفرض تشريعات تعزز الهوية الدينية في الحيز العام والجيش، بما في ذلك الفصل بين الجنسين وإلزام القضاة باختبارات في الشريعة.

ويتم تمويل هذه الأنشطة، التي تبلغ ميزانيتها الملايين، عبر صناديق توجّه أموال المتبرعين الأمريكيين للمنظمات اليمينية المتطرفة، مما يعكس استراتيجية منظمة لإعادة صياغة وجه "إسرائيل" وفق رؤية ثيوقراطية (دينية).

يرى خبراء مثل البروفيسور "ياجيل ليفي" أن هذه التحركات تعكس تحولاً ديموغرافياً وثقافياً داخل "الجيش الإسرائيلي"، حيث تصعد نخب دينية وقومية جديدة ترفض القيم العلمانية الليبرالية، ووفقاً لهذا المنظور، فإن وثيقة "مُعيد الروح" لا تسعى فقط لتغيير النصوص، بل تهدف إلى "شرعنة" الممارسات العنيفة التي تحدث فعلياً في الميدان، وتحويل "الجيش الإسرائيلي" إلى قوة عسكرية يهودية في "شخصيتها وجوهرها وقيمها"، بعيداً عن مفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي.

تعكس شهادات القادة الميدانيين في جيش العدو تحول العقيدة العسكرية إلى ممارسات انتقامية بصبغة يهودية، تتجلى في التدمير المنهجي للمربعات السكنية في غزة وتحويلها إلى ركام، وسط توثيق لعمليات نهب واسعة للممتلكات الخاصة، في سلوك يصفه مراقبون بأنه يعكس نزعة تدميرية تفتقر لأي ضوابط أخلاقية أو قانونية.

المصدر: صحيفة "هآرتس"