"الحرب على الوعي"
ترجمة الهدهد
يواجه المشروع الصهيوني خطراً استراتيجياً يتجاوز التهديدات العسكرية المباشرة في الشمال والجنوب، يتمثل في "تآكل شرعية الدولة" داخل العالم الحر، ومع تحول "إسرائيل" إلى "دولة" معزولة تشبه "إسبرطة"، بات تشويه صورتها رائجاً في أوروبا وقطاعات واسعة من الولايات المتحدة، مما يهدد شبكة الأمان الثقافية والاقتصادية والأمنية التي ضمنت بقاء "إسرائيل" كذراع ممتدة للعالم الحر عبر البحار.
إن الاعتماد على الأصدقاء الحاليين أو المراهنة على استمرار الدعم الأمريكي التقليدي يعد تهوراً في ظل التحولات السياسية العالمية؛ فليس هناك ما يضمن عدم وصول رؤساء معادين أو انفصاليين للبيت الأبيض، أو استمرار الدعم الأوروبي في ظل تصاعد القوى الجديدة.
إن سياسة "شعب يسكن وحده" لم تعد مجرد خيار، بل أصبحت خطراً يهدد المستقبل، خاصة وأن معركة البقاء لا تُحسم فقط عند الحدود، بل في أروقة صنع القرار والوعي العام في واشنطن وبرلين وباريس.
يتطلب الواقع الجديد تحولاً جذرياً في المفاهيم؛ فبينما تُنفق "الدولة" أكثر من مئة مليار شيكل سنوياً على الأمن المادي، يظل الاستثمار في "ساحة الوعي العالمي" هامشياً، وتبرز الحاجة الملحة اليوم لقيادة تتبنى "عقيدة حرب" جديدة، تتضمن إنشاء هيئة حكومية سيادية (غير سياسية) مخصصة للأمن القومي للوعي، تتبع مباشرة لرئاسة الوزراء أو وزارة الدفاع، وبميزانية ضخمة طويلة الأمد توازي ميزانيات الأجهزة الأمنية الكبرى كالموساد والشاباك.
إن نجاح الأمن القومي لا يتوقف عند الإنجازات العسكرية في "رفح" أو "بنت جبيل" فحسب، بل يمتد ليشمل القدرة على حشد الموارد الوطنية لتغيير الخطاب السائد وتطهير "مستنقع الوعي" الذي ينبت منه التطرف ضد الصهيونية.
إن بناء "أمن الوعي" هو الجوهر الحقيقي للأمن القومي في العصر الحديث، وبدونه قد يواجه المشروع الصهيوني عواقب وجودية وخيمة تتجاوز قدرة السلاح على الحسم.
المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "يديديا شتيرن"، رئيسة معهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI) وأستاذة قانون في جامعة بار إيلان.