"حتى حين ننشغل بإيران لا يجوز نسيان الأردن"
شبكة الهدهد
الكاتب: أوفير وينتر هو باحث كبير في معهد دراسات الأمن القومي قرب جامعة تل أبيب
اتّسم الربع الأول من عام 2026 باضطرابات إقليمية حادة، تمحورت حول حرب “زئير الأسد” ضد إيران في شهر مارس.
لكن بينما كانت الأنظار الإسرائيلية والأميركية متجهة شرقًا نحو مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة للجمهورية الإسلامية، تكشف مراجعة للاتجاهات في موقف الأردن من "إسرائيل"، أعدّتها مجموعة الأبحاث “تمارور – بوليتوغرافيا”، عن حقيقة مقلقة: "إسرائيل" تنزلق نحو أزمة مع أهم جارة لها.
الاستراتيجية الإسرائيلية في الساحة الفلسطينية تُنظر إليها في عمّان باعتبارها خطرًا على الأمن القومي للمملكة. ويخشى الملك عبد الله الثاني ووزير خارجيته أيمن الصفدي قبل كل شيء من أن تستغل "إسرائيل" تحويل الاهتمام نحو المواجهة مع إيران لفرض وقائع جديدة على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع المساس بحرية العبادة في المسجد الأقصى.
ومن وجهة النظر الأردنية، تبدو السيناريوهات متشائمة على طرفي النقيض: فنجاح "إسرائيل" في مواجهة إيران قد يحوّل الحكومة في القدس إلى حكومة “منفلتة القيود” في الساحة الفلسطينية، بينما قد يدفعها الفشل الإسرائيلي إلى البحث هناك عن “صورة نصر” بديلة.
في نظر عمّان، تُعتبر الخطوات الأحادية التي تتخذها "الحكومة الإسرائيلية" في الضفة الغربية نوعًا من الضمّ الزاحف.
وقد أدانت الأردن بشدة قرار الحكومة في فبراير إلغاء “القانون الأردني” الذي كان يحظر بيع الأراضي لليهود في الضفة الغربية.
ومن منظور الأردن، يشكل ذلك محاولة فاضحة لفرض "السيادة الإسرائيلية"، وتغيير الواقع القانوني، وإقامة واقع فعلي يمنع قيام دولة فلسطينية.
وقد حظي هذا السلوك من جانب "الحكومة الإسرائيلية" بدعم ضمني من السفير الأميركي لدى "إسرائيل" مايك هاكابي، الذي عبّر في مقابلة مع تاكر كارلسون عن دعمه “للحق التوراتي” لإسرائيل في السيطرة على أجزاء واسعة من المنطقة.
هذه التحركات أعادت إلى الواجهة في عمّان هواجس “الوطن البديل” — أي الخشية من أن تكون "الحكومة الإسرائيلية" تسعى لتهيئة الأرضية لتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأراضي الأردنية.
وفي الوقت نفسه، تبقى القدس برميل بارود. فالأردن يتمسك بشدة بدوره التاريخي كوصيّ على المقدسات الإسلامية والمسيحية، ويرى في السلوك الإسرائيلي مساسًا خطيرًا بالوضع القائم وبصلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية.
وقد اعتُبرت الزيارة التي قام بها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى باحات المسجد الأقصى “استفزازًا غير مقبول وتدنيسًا للمقدسات” من وجهة نظر الأردن.
علاوة على ذلك، أدانت المملكة القيود التي فُرضت على صلاة المسلمين والمسيحيين خلال شهر رمضان وعيد الفصح بسبب التهديد الصاروخي الإيراني، رغم أن قيودًا مشابهة فُرضت أيضًا عند حائط البراق.
ويتجلى التباعد بين الدولتين أيضًا في الموقف من قطاع غزة. فالأردن ينخرط في إدخال المساعدات الإنسانية برًا، ويدعم خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب — وكذلك قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي أقرّها — لتثبيت وقف إطلاق النار.
ومع ذلك، فإن مشاركة الأردن في “مجلس السلام” الدولي في واشنطن تهدف إلى غاية واضحة: ضمان أن تكون مؤسسات مثل “اللجنة الوطنية الفلسطينية” لإدارة غزة مجرد هيئة انتقالية مؤقتة.
فمن منظور عمّان، يبقى الهدف النهائي والوحيد هو عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، ومنع تهجير السكان، وتمهيد الطريق لحل الدولتين.
ولهذا الغرض، يعمل الأردن مع المجتمع الدولي، من خلال “مجموعة الثماني” للدول العربية والإسلامية وغيرها، بهدف تشكيل جبهة دبلوماسية موحدة ضد الخطوات الإسرائيلية.
وخلال حرب “زئير الأسد”، شارك الأردن بالفعل في اعتراض الصواريخ الإيرانية، وشارك في إدانة “العدوان” الإيراني على الدول العربية، إلا أن تعاونه الأمني الوثيق مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" لا يلغي الانقسامات السياسية بين الأطراف.
إن استمرار الدفع بخطوات الضم، وإضعاف السلطة الفلسطينية، وتقويض الوضع القائم في القدس، يُنظر إليه في عمّان على أنه مساس بأعمق مصالحها الوجودية. وإذا واصلت "إسرائيل" العمل من دون مراعاة لجارتها، واستمرت في تفكيك ما تبقى من الثقة الهشّة، فإنها قد تعرّض علاقاتها مع شريكتها الاستراتيجية الأهم لاستقرار حدودها الشرقية للخطر.
الكاتب:
الدكتور أوفير وينتر هو باحث كبير في معهد دراسات الأمن القومي قرب جامعة تل أبيب، ومحاضر في قسم الدراسات العربية والإسلامية في الجامعة نفسها. صدر له كتاب بعنوان “السلام باسم الله” يتناول جهود الأنظمة في مصر والأردن والإمارات لمنح الشرعية الدينية الإسلامية لاتفاقيات السلام مع "إسرائيل"، وذلك عن دار النشر De Gruyter، وهو أيضًا زميل بحث في مجموعة “تمارور – بوليتوغرافيا”.