هل تتجه "إسرائيل" إلى حلّ الكنيست وانتخابات مبكرة؟
مقدمة
تشير التطورات السياسية في إسرائيل إلى أن مسار حلّ الكنيست لم يعد مجرد احتمال مرتبط بأزمة قانون التجنيد، بل تحوّل إلى عملية سياسية يجري إعدادها بصورة منظّمة داخل معسكر الحكم نفسه.
فالمعطيات المتراكمة خلال الأيام الأخيرة توحي بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى إلى التحكم بتوقيت الانتخابات المقبلة وشكل التحالفات التي ستخوضها، أكثر من سعيه إلى منع انهيار الائتلاف.
واللافت أن الائتلاف الحاكم نفسه بادر إلى تقديم مشروع قانون لحلّ الكنيست، في خطوة تعكس رغبة حزب الليكود في إدارة عملية التفكيك بدل تركها بيد المعارضة أو الأحزاب الحريدية. وفي الخلفية، تتصاعد التقديرات داخل إسرائيل بأن “الأزمة” مع الحريديم ليست قطيعة كاملة، بل جزء من إعادة التموضع الانتخابي استعدادًا لمعركة مبكرة قد تُجرى خلال الخريف المقبل.
أولًا: لماذا بادر الائتلاف بنفسه لتقديم مشروع قانون حل الكنيست؟
بحسب ما كشفته الصحفية السياسية دفنا ليئيل، فإن مشروع القانون الذي قدّمه رئيس الائتلاف أوفير كاتس لا يهدف فقط إلى حلّ الكنيست، بل إلى التحكم الكامل بوتيرة العملية السياسية.
وتكشف هذه الخطوة عدة أهداف مركزية:
1. منع المعارضة من احتكار مشهد إسقاط الحكومة
يسعى نتنياهو إلى الظهور باعتباره صاحب قرار الذهاب إلى الانتخابات من موقع القوة، لا كرئيس حكومة سقط تحت ضغط المعارضة أو الأحزاب الحريدية.
2. شراء الوقت للتفاهم مع الحريديم
رغم التصعيد الإعلامي، ما تزال الاتصالات مستمرة بين الليكود والأحزاب الحريدية للتفاهم حول:
- موعد الانتخابات.
- صيغة قانون التجنيد.
- شكل التحالفات المقبلة.
3. إعادة ترتيب معسكر اليمين
حلّ الكنيست بصورة منظّمة يمنح نتنياهو فرصة لمعالجة ملفات حساسة داخل معسكره، أبرزها:
- مستقبل تحالف اليمين المتطرف.
- مصير حزب الصهيونية الدينية.
- الانتخابات التمهيدية داخل الليكود.
- توزيع القوى داخل القائمة الانتخابية.
ثانيًا: ما الجدول الزمني المتوقع لحلّ الكنيست؟
تشير التقديرات السياسية والإعلامية الإسرائيلية إلى أن العملية ستتم على مراحل متدرجة:
- إجراء القراءة التمهيدية لمشروع حلّ الكنيست بعد أسبوع من تقديم الطلب الذي بادر الائتلاف الحاكم إلى طرحه.
- من المتوقع أن تُناقش لجنة الكنيست المشروع أواخر مايو.
- خلال يونيو، يُرجّح التصويت على مشروع حلّ الكنيست بالقراءات الثلاث، على الأرجح في منتصف يونيو أو نهايته.
ويعني ذلك أن إسرائيل قد تدخل رسميًا أجواء الانتخابات المبكرة مع بداية الصيف، أي قبل الموعد الرسمي لانطلاق الموسم الانتخابي في 27 يوليو، الذي يسبق موعد الانتخابات القانونية بثلاثة أشهر وفق القانون الإسرائيلي.
ثالثًا: ما موعد الانتخابات المرجّح؟
تدور داخل الائتلاف ثلاثة مواعيد رئيسية مطروحة لإجراء الانتخابات.
- لا يزال نتنياهو يفضّل الإبقاء على الموعد الأصلي للانتخابات، على أمل إقرار عدد من التشريعات خلال الفترة المتبقية من عمر الكنيست، بما يعزّز موقعه السياسي، قانون تقليص صلاحيات المستشارة القضائية. وقانون تقييد عمل وحدة التحقيق الخاصة داخل جهاز الشاباك والشرطة، بحيث يمنع استدعاء المسؤولين للتحقيق أثناء تولّيهم مناصب تنفيذية عليا.
- في المقابل، يفضّل الحريديم في حزب يهوديت هتوراة إجراء الانتخابات مطلع سبتمبر، قبل دخول موسم الأعياد اليهودية الذي يبدأ بعد منتصف سبتمبر ويستمر حتى منتصف أكتوبر.
- أما حزب شاس، فقد وافق على إجراء الانتخابات في منتصف سبتمبر، بهدف منح نتنياهو أكبر هامش زمني ممكن للاستفادة من الكنيست الحالي قبل بدء العطلة الصيفية التي تبدأ في 28 يوليو.
وتتخوّف الأحزاب الحريدية من تراجع قدرتها على حشد جمهورها للتصويت إذا تزامنت الحملة الانتخابية مع موسم الأعياد، ما قد يؤدي إلى انخفاض نسبة المشاركة داخل قاعدتها التصويتية.
ويرى محللون أن موافقة نتنياهو على تقديم مشروع حلّ الكنيست، مع استنفاد الفترة الزمنية السابقة للعطلة الصيفية، تعكس إدراكًا لعدم وجود هامش زمني كافٍ بعد 15 أكتوبر لإعادة انعقاد الكنيست وتمرير القوانين التي يسعى إليها، دون الاضطرار إلى حسم ملف تجنيد الحريديم.
ومع ذلك، تشير بعض التقديرات إلى أن نتنياهو قد يؤجّل طرح القوانين الأكثر حساسية المرتبطة بمستقبله السياسي إلى الأيام الأخيرة من عمر الكنيست، تفاديًا لإثارة أزمة سياسية داخلية واسعة.
رابعًا: المؤشرات والتوجهات:
يمثل التيار الديني الحريدي قوة الدفع الرئيسية نحو حلّ الكنيست، إذ يسعى إلى ممارسة ضغط متزايد على نتنياهو، مستغلًا حاجته إلى تمرير القوانين التي يراها ضرورية لتحصين موقعه السياسي، ويناور التيار الحريدي مع نتنياهو مناوراتها الأخيرة في ظل فشله في المرات السابقة من الضغط على نتنياهو لتنفيذ الاتفاق الائتلافي بإقرار قانون الاعفاء من التجنيد.
وتواجه القيادات الحريدية أزمة متصاعدة أمام جمهورها، بعد اقتراب نهاية عمر الكنيست والحكومة من دون إقرار “قانون التجنيد”، الذي كان أحد أبرز بنود الاتفاق الائتلافي الذي دخلت الأحزاب الحريدية الحكومة على أساسه ومنحتها الثقة بموجبه.
ومن شأن فشل الحريديم في إقرار قانون الإعفاء من التجنيد أن يعزّز الانطباع داخل جمهورهم بأنهم تحوّلوا إلى ورقة سياسية بيد نتنياهو، يوظفها وفق أجندته السياسية الخاصة.
ويبرز هذا الانطباع بصورة أكبر في ظل العلاقة السياسية الوثيقة التي تربط نتنياهو برئيس حزب شاس أرييه درعي، خاصة بعد الدور الذي لعبه نتنياهو في إعادة درعي إلى الحياة السياسية عقب قضايا الفساد التي أُدين بها خلال فترات سابقة من عمله الحكومي، وهو ما عزّز الاعتقاد لدى بعض الأوساط الحريدية بأن درعي بات أكثر ارتباطًا بخيارات نتنياهو السياسية.