شبكة الهدهد

أولاً: تلخيص الأحداث الميدانية والسياسية (15 - 16 مايو 2026)

1. الساحة الفلسطينية: قطاع غزة والضفة الغربية

  • التصعيد في غزة ومحاولة الاغتيال الكبرى: شهدت مدينة غزة حدثاً أمنياً مفصلياً تمثّل في قيام 3 طائرات حربية إسرائيلية بإلقاء 13 قنبلة على بناية "المعتز" السكنية في حي الرمال، مستهدفةً القيادي الأبرز والقائد الفعلي للجناح العسكري لكتائب القسام "عز الدين الحداد" (الذي تولى القيادة الفعالية بعد اغتيال محمد السنوار في مايو الماضي)، أسفر الهجوم عن تدمير واسع وحرائق واستشهاد عدد من المواطنين وعشرات الجرحى، وفي حين أعلنت إسرائيل نجاح التصفية، سادت حالة تأهب قصوى في البر والبحر والجو بـ "جيش العدو الإسرائيلي" ترقباً للرد.
  • استمرار العمليات الميدانية والنسف: نفّذ جيش العدو عمليات نسف واسعة النطاق شمالي مدينة رفح وشرقي مدينة خان يونس ، مع تواصل القصف المدفعي والجوي المكثف وإطلاق النار من المروحيات والآليات في خانيونس والمناطق الوسطى.
  • تصاعد اعتداءات المستوطنين والاقتحامات بالضفة: وثّقت التقارير اقتحام جنود جيش العدو لمسجد في خربة طانا شرقي نابلس وإفساد الصلاة فيه ، تزامناً مع إجبار المستوطنين لعائلات فلسطينية على الرحيل القسري من المنطقة، كما نُظمت حفلات موسيقية للمستوطنين فوق أنقاض مساكن الفلسطينيين المهجرين بالأغوار الشمالية، وامتدت الاقتحامات والمواجهات وعمليات إطلاق النار إلى الخليل، وجنين (حيث استشهد الشاب نور الدين فياض)، وطولكرم وطوباس وبيت لحم.
  • تقارير إنسانية ودولية صادمة: كشف تقرير لليونيسف عن استشهاد 70 طفلاً في الضفة والقدس منذ بداية عام 2025 (بمعدل طفل كل أسبوع)، 93% منهم برصاص جيش العدو، فيما أعلن نادي الأسير الفلسطيني أن الاحتلال اعتقل 23 ألف فلسطيني منذ عام 2023، كما حُرم نحو 10 آلاف فلسطيني في غزة من أداء فريضة الحج بسبب استمرار الحرب لثلاثة أعوام.

2. الجبهة اللبنانية والسورية

  • تمديد وقف إطلاق النار والمفاوضات: أعلن الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن عن اتفاق الأطراف على تمديد وقف إطلاق النار القائم لمدة 45 يوماً وإطلاق مسار أمني برعاية أمريكية يفتح الباب لتهدئة دائمة.
  • الخروقات الميدانية المستمرة: رغم إعلان التمديد، استمرت العمليات العسكرية؛ حيث شنّ جيش العدو غارات استهدفت مركزاً إسعافياً في بلدة "حاروف" جنوبي لبنان أسفرت عن استشهاد 6 أشخاص بينهم 3 مسعفين، بالإضافة إلى غارات على صور ومحيط بلدة معركة. وفي المقابل، ردّ حزب الله بسلسلة هجمات بمسيرات انقضاضية وصواريخ استهدفت دبابات ميركافا، وجرافات عسكرية، وتجمعات جنود في رشاف وحولا ودير سريان، ومقر قيادة اللواء 300، ما أدى لدوي صافرات الإنذار في نهاريا وكريات شمونة والمطلة.
  • الداخل اللبناني والسوري: أكد رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي أن الإنقاذ يكون بالعودة لمنطق الدولة وسلاح الجيش اللبناني الواحد، وفي سوريا انتقد نائب المبعوث الأممي التوغل و"القصف الإسرائيلي" في القنيطرة ودرعا ، بينما أعلنت السلطات الأمنية السورية اعتقال نائب رئيس أركان الجيش وضابط كبير آخر من أركان نظام المخلوع بشار الأسد.

3. الحراك السياسي الدولي و"الإسرائيلي الداخلي"

  • مشروع ترامب "مجلس السلام في غزة": عقد كبير مندوبي المجلس "نيكولاي ملادينوف" مؤتمراً صحفياً أوضح فيه ملامح خطة "ترامب" لإعادة إعمار غزة بتمويل يصل لمليارات الدولارات مشروطاً بنزع سلاح حماس، غير أن ملادينوف أقرّ ضمنياً بعدم امتلاك المجلس لأي أدوات ضغط حقيقية على حماس أو "إسرائيل" لفرض الخطة.
  • أزمة التجنيد والفيلق الأجنبي في "إسرائيل": يعيش "الداخل الإسرائيلي" أزمة بنيوية حادة بسبب رفض اليهود الحريديم التجنيد. وبرزت أطروحات استراتيجية تطالب بالاستغناء عن مفهوم "جيش الشعب" وإنشاء فيلق عسكري أجنبي (مرتزقة) يضم حوالي 12 إلى 20 ألف مقاتل أجنبي محترف يتم تمويلهم عبر استقطاع أموال الائتلاف المخصصة للحريديم، وذلك لتخفيف العبء عن قوات الاحتياط ومنع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

ثانياً: تحليل تقدير الموقف في نقاط

بناءً على المعطيات أعلاه، يمكن بلورة تقدير الموقف الاستراتيجي والأمني في النقاط التحليلية التالية:

  • مأزق "اغتيال الحداد" واستراتيجية التفكيك الإسرائيلية:
    تُظهر محاولة اغتيال عز الدين الحداد تركيز إسرائيل على قطع رؤوس القيادة العسكرية لحماس لمنع أي عملية إعادة بناء للهيكلية التنظيمية، ومع ذلك فإن تقارير "الاستخبارات الإسرائيلية السابقة" (مثل تصريحات ميلشتاين) تؤكد أن التدابير التنظيمية والتعيينات والوحدات الجديدة التي بناها الحداد في الأشهر الماضية قد تؤمن استمرار هيكلية الحركة حتى في غيابه، واكبت التصفية حالة استنفار عامة؛ خشية تلقي ردود فعل صاروخية أو عملياتية غير تقليدية من جبهات متعددة.
  • ديناميكية "التمديد الهش" على الجبهة اللبنانية:
    الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً برعاية أمريكية يعكس رغبة الأطراف الدولية "إدارة ترامب" في احتواء الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، ومع ذلك فإن هذا التمديد يوصف بـ "الهش للغاية"؛ نظراً للخرق الإسرائيلي المستمر عبر استهداف مراكز الإسعاف والبلدات الجنوبية، وردود حزب الله النوعية بالمسيرات الانقضاضية وصواريخ الأرض-جو. القتال الحالي تحول إلى "حرب استنزاف مضبوطة تحت سقف التفاوض".
  • انسداد أفق خطة ترامب السياسية (مجلس السلام):
    يعاني مشروع ترامب ونظام "مجلس السلام في غزة" من معضلة بنيوية صارخة ؛ فالخطة تعرض حوافز مالية ضخمة (7-10 مليارات دولار) مقابل نزع السلاح ، لكنها تفتقر لآليات الضغط (Leverage) على حماس التي ترفض نزع سلاحها ، وعاجزة في الوقت ذاته عن كبح جماح "التصعيد الإسرائيلي" الذي تصاعدت وتيرته بنسبة كبيرة في أبريل مقارنة بمارس، هذا يجعل الخطة السياسية معلقة ومجرد إطار نظري غير قابل للتطبيق الميداني حتى الآن.
  • 4. "أزمة القوى البشرية الإسرائيلية والتحول" نحو "خصخصة الحرب":
    يمر "الجيش الإسرائيلي" بأزمة إنهاك وجودية لقوات الاحتياط، إن طرح فكرة "الفيلق الأجنبي" والاعتماد على المرتزقة لتعويض رفض الحريديم للخدمة يمثل تحولاً دراماتيكياً في العقيدة الأمنية الصهيونية (تفكيك أسطورة جيش الشعب)، هذا التوجه وإن كان يوفر مخرجاً اقتصادياً وسياسياً مؤقتاً للحكومة لتفادي الصدام مع المتدينين، فإنه يحمل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى تتعلق بـ "سيادة الدولة" وارتهان أمنها لجهود مقاتلين أجانب قد يغادرون في أي أزمة عالمية، فضلاً عن تعميق الشرخ الاجتماعي الداخلي.
  • 5. إشعال الضفة الغربية وفرض التقسيم المكاني:
    العمليات المتزامنة في الضفة والقدس (اقتحامات المسجد الأقصى بمعدلات قياسية، واستهداف الأطفال، والتهجير القسري في خربة طانا والأغوار) تبرهن على أن "إسرائيل" تنفذ مخططاً متكاملاً لحسم الصراع في الضفة الغربية عبر فرض التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى وتوسيع الاستيطان الراديكالي تحت غطاء الانشغال بملفي غزة ولبنان.

ثالثاً: خلاصة تحليلية شاملة

يكشف مشهد مايو 2026 عن معادلة استراتيجية معقدة ومحتقنة؛ حيث تتداخل المسارات العسكرية التدميرية مع المسارات السياسية الإقليمية الهشة.

على الجبهة الفلسطينية، تحاول "إسرائيل" استثمار الدعم الأمريكي وتركيزها العسكري لفرض واقع جديد في غزة عبر عمليات التصفية النوعية (مثل تصفية عز الدين الحداد) وتكثيف عمليات النسف الممنهج.

لكن المؤشرات الميدانية والاستخباراتية تثبت أن القوى الفلسطينية طوّرت مرونة تنظيمية ومؤسسية تمكنها من استيعاب الضربات ومواصلة إنتاج السلاح والتدريب العسكري بالرغم من "التواجد الإسرائيلي".

هذا الأمر حوّل قطاع غزة إلى ثقب أسود يستنزف القدرات العسكرية والبشرية للعدو، ويدفع النخب "الاستراتيجية الإسرائيلية" للتفكير في حلول انتحارية لعقيدتها العسكرية، مثل جلب "فيلق أجنبي" من المرتزقة لتعويض الإنهاك البشري.

أما سياسياً، فإن "مجلس السلام" والمشروع الأمريكي الذي يقوده "ترامب" يراوح مكانه في حلقة مفرغة؛ لكونه يطرح معادلة صفرية (الإعمار مقابل نزع السلاح) وهي معادلة يرفضها الواقع الميداني وتفتقر لآليات التنفيذ الفعلي.

يتوازى ذلك مع الجبهة اللبنانية التي تعيش في مساحة رمادية حرجة؛ حيث يتم تمديد وقف إطلاق النار سياسياً لمدة 45 يوماً لتجنب الانفجار الشامل، بينما تشتعل الميدان خروقات عسكرية يومية متبادلة تُبقي احتمال انهيار التهدئة قائماً في أي لحظة.

التوصية الختامية الاستشرافية:

المشهد يتجه نحو استمرار الاستنزاف؛ فـ "إسرائيل" عاجزة عن تحقيق حسم عسكري مطلق وتواجه أزمات بنيوية داخلية (اجتماعية وعسكرية)، والمقاومة تمتلك القدرة على التكيف والاستمرار، بناءً عليه ستظل جولات التفاوض السياسية (الأمريكية واللبنانية) مجرد مسكنات مؤقتة وتمديدات هشة ما لم يتم صياغة اتفاق شامل وجذري ينهي المسببات الحقيقية للصراع ويفكك الحصار والاحتلال بشكل كامل.