دبلومـاسية التسريبـات: كيف يُضحي "نتنياهو" بالحلفاء من أجل المكاسب السياسية؟
ترجمة الهدهد
لم تمضِ سوى بضع ساعات على نشر مكتب رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" تقريراً عن زيارته "المثيرة" إلى الإمارات العربية المتحدة خلال الحرب، ولقائه مع الرئيس الشيخ محمد بن زايد آل نهيان – وهي زيارة أسفرت عن "اختراق تاريخي" وفقاً للإعلان – حتى أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بياناً ينفي حدوث ذلك بشكل قاطع.
لقد كرر "نتنياهو" مجدداً طقوسه المعتادة بالإعلان عن لقاءات مع شخصيات عربية رفيعة المستوى، يُفترض أن تظل سرية، يمكننا تذكر الأخبار التي سُرّبت عام 2018 عن لقائه بالسلطان قابوس (سلطان عُمان الراحل)، ولقائه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عام 2020.
لـ "نتنياهو" تاريخ طويل في تسريب المعلومات؛ فمنذ فترة عمله الدبلوماسي المبكر في واشنطن، أدرك أن التسريب أداة أساسية لتحقيق الأهداف السياسية، ومنذ ذلك الحين، استخدم هذه الأداة أكثر من أي سياسي آخر في إسرائيل.
عندما كان زعيماً للمعارضة عام 1995، سرّب "نتنياهو" من منصة الكنيست ما عُرف بـ"وثيقة شتوبر" – وهي وثيقة سرية للغاية كُتبت في قسم التخطيط بـ "الجيش الإسرائيلي" من قِبل اللواء "تسفي شتوبر" (والتي صاغها في الواقع نائبه، العميد "شلومو بروم") استعداداً لمحادثات بين رئيسي أركان "إسرائيل" وسوريا، وكان الهدف بطبيعة الحال، تخريب المفاوضات عبر اتهام حكومة إسحاق رابين بتقديم تنازلات كانت تنوي عرضها بشأن مرتفعات الجولان.
حينها، طلب عضو الكنيست "ران كوهين" من المدعي العام "مايكل بن يائير" رفع الحصانة عن "نتنياهو" بتهمة انتهاك قانون العقوبات، لكن الأخير رفض، مدعياً تمتع "نتنياهو" بالحصانة الموضوعية المكفولة لأعضاء البرلمان.
كما رفضت المحكمة العليا التماس "كوهين"، مؤكدة أن "نتنياهو" لم يفعل ذلك عن قصد، بل جاء خطابه استجابةً لنقاش دار في الجلسة العامة مع "شيمون بيريز"، وبالتالي فإن التسريب يندرج ضمن إطار واجباته البرلمانية! وقد أعطى قرار المحكمة العليا هذا، إلى جانب رفض التماسات أخرى، الضوء الأخضر للمسربين في الكنيست، إذ بات بإمكانهم حماية أنفسهم خلف جدار قانون الحصانة.
وبعد عقدين من الزمن، وتحديداً عام 2007 عندما كان في صفوف المعارضة مجدداً، كان "نتنياهو" أول من أكد علناً أن إسرائيل دمرت المشروع النووي السوري، على الرغم من كل محاولات حكومة "إيهود أولمرت" لإخفاء الأمر آنذاك تجنباً لإحراج بشار الأسد ودفعه إلى الرد العسكري.
ومن التسريبات الشهيرة الأخرى، عرض "الجيش الإسرائيلي" الذي قُدِّم في اجتماع لمجلس الوزراء المصغر خلال عملية "الجرف الصامد" في أغسطس 2014، ومن المسلّم به لدى جميع المراقبين أن التسريب جاء من مكتب "نتنياهو" مباشرة، وكان يهدف إلى إضفاء الشرعية على قرار عدم توغل الجيش داخل قطاع غزة واحتلاله، إظهاراً بأن التراجع كان توصية العسكر لا قرار القيادة السياسية.
للتسريبات أغراضٌ عديدة؛ منها تضخيم غرور السياسي، وتخريب جهود الخصوم، وإضفاء الشرعية على سياسةٍ معينة، أو طرح فكرةٍ كـ "بالون اختبار"، فعلى سبيل المثال كان الهدف من تسريب معلومات من مكتب "نتنياهو" إلى صحيفة "بيلد" الألمانية عام 2024 هو التأثير على "الرأي العام الإسرائيلي" بشأن صفقة تبادل الأسرى مع حماس، وكما كتب الصحفي "ناحوم برنيع"، فإن تسريب المواد السرية إلى الصحافة الأجنبية "حدث مراتٍ لا تُحصى في الماضي، لكن "نتنياهو" دأب على ذلك في جميع مناصبه".
كان تسريب "نتنياهو" بشأن زيارته المزعومة للإمارات مدفوعاً برغبة شخصية واعتبارات سياسية تتعلق بالحملات الانتخابية، وليس من المستبعد أن يكون التسريب الذي سبقه بشهر – والذي أفاد بأن "إسرائيل" أرسلت منظومة "القبة الحديدية" مع فرق تشغيل إلى الإمارات – قد وصل أيضاً إلى صحيفة "وول ستريت جورنال" من مصادر "إسرائيلية" مسؤولة.
وهنا يبرز تساؤل هام: لماذا تصر الإمارات على نفي وإخفاء اجتماعاتها مع رئيس حكومة تربطها بدولته علاقات دبلوماسية رسمية؟
يكمن الجواب في أن الإمارات تتشارك مع "إسرائيل" مصالح استراتيجية في مواجهة إيران، إلا أن سياسات حكومة "نتنياهو" اليمينية المتطرفة، لا سيما في الضفة الغربية، جعلت من شخصه هدفاً منبوذاً في العالم العربي، ومع ذلك يصعب تفسير كيف تقع العواصم العربية مراراً وتكراراً في فخ اللقاءات غير المعلنة معه رغم سجله الحافل بالخيانة السياسية للتفاصيل السرية.
أبعاد الخطورة الثلاثة
يُعدّ هذا التسريب الأخير خطيراً للغاية لثلاثة أسباب جوهرية:
- أولاً: يُلحق الضرر بحليفٍ وثيق استمر في التعاون مع "إسرائيل" طوال فترة الحرب ونادراً ما أدانها علناً، على عكس دول عربية أخرى اتخذت إجراءات دبلوماسية كاستدعاء السُفراء.
- ثانياً: يتقاطع هذا الأمر مع التنافس الإقليمي بين السعودية والإمارات؛ إذ يعرّض أبو ظبي لهجمات إعلامية وسياسية تنتقد علاقاتها مع "تل أبيب"، ويسلط الضوء على اتهامات بتوافق سياساتهما في ملفات ساخنة مثل أزمات "أرض الصومال" والسودان وليبيا، هذا التسريب يمنح خصوم الإمارات ورقة ضغط قوية تأتي مصداقاً لاتهاماتهم السابقة.
- ثالثاً (وهو الأهم): يُدمّر التسريب عنصر "الثقة المتبادلة" الذي يمثل حجر الزاوية في العلاقات الدبلوماسية والأمنية بين القادة.
تاريخياً، عُرف عن "القادة الإسرائيليين" مثل "ليفي إشكول"، و"شيمون بيريز"، و"مناحيم بيغن"، و"أرييل شارون" تسريب المعلومات بشكل منتظم، وفي هذا الصدد لا يُعد "نتنياهو" استثناءً، بل إنه تفوق عليهم جميعاً؛ حتى وصفه الصحفي "بن كاسبيت" بأنه "أكثر آلات التسريب تطوراً منذ نشأة السياسة"، مضيفاً: "أكتب هذا عن علم ومسؤولية، وأتحداه أن يقاضيني".
متى يصبح التسريب الدبلوماسي خطراً حقيقياً؟
يمكن أن تُلحق التسريبات ضرراً بالغاً بالعلاقات الدولية، وفي بعض الأحيان، قد تؤدي إلى تصفية الأفراد جسدياً؛ فعلى سبيل المثال، كان اغتيال الرئيس اللبناني المنتخَب بشير الجميل في سبتمبر 1982 نتيجةً غير مباشرة لتسريب تفاصيل تعاونه مع "إسرائيل" ورغم مطالبته المتكررة بإبقاء هذا التعاون سرياً، فضّل "القادة الإسرائيليون" التباهي بالعلاقة، وكانت الضربة القاضية هي نشر خبر لقائه السري مع بيغن قبل أيام قليلة من اغتياله.
ومن الأضرار الأخرى قطع العلاقات أو تجميدها؛ فبعد تسريب خبر اجتماع "نتنياهو" بولي العهد السعودي في "نيوم"، أعلنت الرياض أن هذا التصرف "يضر بفرص تعزيز العلاقات في المستقبل القريب"، وعلى الصعيد العملي، أُلغيت زيارات رئيس الموساد حينها "يوسي كوهين" إلى المملكة، وجُمّدت الاتصالات لفترة من الزمن.
والنموذج الأقرب كان تسريب وزير الخارجية السابق "إيلي كوهين" لخبر اجتماعه السري مع وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش؛ مما دفع رئيس الوزراء الليبي لإقالتها ونفي علمه باللقاء، واضطرت الوزيرة وعائلتها لمغادرة البلاد تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية، مما قضى تماماً على أي نافذة دبلوماسية مستقبليّة مع ليبيا.
إن القاسم المشترك بين كل هذه الحوادث هو تقديم المصالح السياسية الحزبية والشخصية الضيقة على المصالح الاستراتيجية العليا للدولة.
لقد قال المستشار الألماني الشهير "بِسْمَارْك": «السياسة هي فن الممكن»، لكن يبدو في قاموس "نتنياهو" أن «كل شيء مُباح وممكن في السياسة». غير أن للدبلوماسية قواعد سلوك وأعرافاً صارمة لا يجوز تجاوزها، وتظل خيانة ثقة الحليف هي الخطيئة التي لا تُغتفر؛ ومن لا يحترم حلفاءه، لا يستحق احترامهم.
المصدر: "القناة 12"/ البروفيسور "إيلي فودا"، يُدرّس البروفيسور إيلي فودا في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بالجامعة العبرية، وهو عضو في المجلس التنفيذي لمنظمة ميتفيم، وعضو في ائتلاف الأمن الإقليمي. وهو يُنهي حاليًا دراسةً حول التسريبات في الكيان.