خطأ قد يتحول إلى كارثة استراتيجية لـ "إسرائيل"
ترجمة الهدهد
يقول مثل بدوي قديم: "إذا زرعت شجرة معوجة، فلا عجب أن تنمو مائلة". وإذا دخلت في حرب مع إيران بأهداف خاطئة، وقضيت على الشخص الوحيد القادر على اتخاذ القرارات المصيرية هناك، فلا عجب أنك الآن عاجز عن انتزاع أي قرار من الإيرانيين.
لقد أسس خامنئي نظاماً تحت إمرته لا يستطيع فيه أحد تهديد سلطته، لكن في الوقت نفسه، جعل الجميع يمتلكون القدرة على تحييد بعضهم بعضاً، ليكون هو وحده صاحب الكلمة الفصل، ولسوء حظه، اعتمد في حساباته على ذكاء الأمريكيين وإدراكهم لطبيعة هذا النظام، لكنه لم يكن المخطئ الوحيد؛ إذ بتنا نكتشف الآن أن انجذاب "ترامب" إلى فكرة تصفية رأس النظام بناءً على توصية "نتنياهو" قد وضعه في مأزق حرج، والنصائح التي لا يزال "نتنياهو" يقدمها لن تزيد الأمر إلا تعقيداً.
إذا كنا نعلم مسبقاً أن فرص الإطاحة بالنظام ضئيلة، فإن آخر ما يجب علينا فعله هو ترسيخ الوضع الحالي بشكل لا رجعة فيه. ولو كان الهدف الفعلي هو التوصل إلى اتفاق أفضل من ذلك الذي أُلغي عام 2018، لكان من الأجدر إبقاء خامنئي على قيد الحياة؛ فهو صاحب القرار النهائي، وكان أكثر ضبطاً للنفس من أن يُفجّر قنبلة نووية. كما أنه كان يفرض سيطرته على الحرس الثوري، بينما يظهر الآن أن ابنه مجتبى – الذي استُخلف – ليس سوى دمية عاجزة عن اتخاذ القرارات، في وقت يُحكم فيه الحرس الثوري قبضته على مفاصل الدولة ويعزله تماماً عن المشهد.
لو تم تحديد أهداف العملية بشكل صحيح، لكانت الأولوية القصوى هي السيطرة على مضيق هرمز وضمان بقائه مفتوحاً. إن ترك المضيق يمثل الثغرة الأكبر؛ ورغم الأضرار البالغة التي لحقت بإيران، إلا أنها نجحت في قلب الموقف لصالحها في نهاية المطاف، لتتمحور المفاوضات الرئيسية الآن حول شروط فتح المضيق.
أما الخطيئة الاستراتيجية الأخرى، فكانت عدم البدء – خلال صدمة الهجوم الأولى – بالتخلص من مخزون الـ 430 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، والتي كان ينبغي التعامل معها كهدف أول.
إن المراهنة على تجدد الهجوم الآن لتسريع التوصل إلى اتفاق هي مراهنة خطرة؛ فالضربات التي تستهدف شبكات الكهرباء والبنية التحتية لن تضر إلا بالسكان المدنيين، وستُظهر مدى إحباط واشنطن، مما سيُثير موجة انتقادات دولية ومحلية داخل أمريكا. فضلاً عن ذلك، سيصب الهجوم الواسع في مصلحة غلاة المتطرفين داخل النظام الذين لن يتضرروا منه، بل سيقطعون على الأرجح أي قنوات للتواصل الدبلوماسي؛ ولأنهم يملكون ما يكفي من المال لتأمين أنفسهم ولا يكترثون لمعاناة المواطنين، ستتحول إيران إلى نموذج شبيه بلبنان، حيث يحكم الحرس الثوري البلاد بالكامل كما يفعل حزب الله.
حسابات "ترامب" وجدار "بكين" الصلب
يُعدّ الحصار الاقتصادي الذي فرضه "ترامب" خطوة ممتازة، إلا أنه يتطلب وقتاً أطول مما يملكه الرئيس من صبر. إن محاولته فرض استسلام سريع على طهران تزامناً مع جداول مباريات كأس العالم تُمثل ضربة قاضية قد تُصعّب عليه الفوز في الانتخابات؛ فهو بحاجة ماسة لاستغلال عامل الوقت لصالحه. وفي هذه الأثناء، يستمر معدل إنتاج النفط الإيراني في الانخفاض بسبب نقص مساحات التخزين وتزايد الخسائر؛ إذ انخفضت الصادرات بنسبة 75%، وبلغت خسائر التصدير نحو 1.2 مليون برميل يومياً منذ بدء الحصار، ما يعادل خسارة مالية تتراوح بين 7 و8 مليارات دولار.
ما يحتاجه الأمريكيون الآن هو تشديد الحصار الفعلي؛ فهناك تقارير تتحدث عن فتح خط نقل بري للنفط الإيراني عبر أذربيجان بواسطة السكك الحديدية، وهو ممر يجب إغلاقه فوراً. كما يتعين على الولايات المتحدة قطع الإمدادات التي تتدفق إلى إيران عبر بحر قزوين، حيث توجد أربعة موانئ حيوية هناك، أهمها "بندر أنزلي" و"أمير آباد"، والتي تصل من خلالها إمدادات عسكرية من روسيا. ولماذا لا يُظهر الأمريكيون للإيرانيين أنهم قادرون أيضاً على زرع بعض الألغام البحرية في تلك المياه؟
في غضون ذلك، بدا أن "ترامب" قد استخلص بعض الدروس حول حدود القوة العسكرية؛ فزيارته الأخيرة للصين، رغم أهميتها الاستراتيجية، لم تحقق أي إنجاز يُذكر، وفشل في دفع "بكين" لفتح تصدير المعادن النادرة اللازمة لإنتاج الرقائق الإلكترونية الأمريكية، مثل "الغاليوم" و"الجرمانيوم" و"الجرافيت" (العنصر الأساسي في بطاريات سيارات تيسلا الكهربائية). ويبدو أن الرئيس "شي جين بينغ"، الذي أغدق على "ترامب" حفاوة بالغة وقضى معه سبع ساعات، لم يكن ساذجاً على الإطلاق.
لقد كان الصينيون هم من أثاروا قضية إيران وليس الأمريكيين، وهي خطوة ذكية؛ ولكن بما أن النفط الإيراني لا يمثل سوى 8% تقريبًا من واردات الصين النفطية (رغم أن الصين تستوعب أكثر من 80% من صادرات إيران)، فإن الصينيين لا ينوون تقديم هدايا مجانية للولايات المتحدة.
أما بخصوص التزام الصين بعدم تزويد المنطقة بالأسلحة، فيُوصى بالتعامل معه بحذر شديد؛ بدءاً من مطاطية تعريف "ما هو السلاح"، وصولاً إلى مدى التزامهم الفعلي على أرض الواقع.
"جبل أنجب قطة" والأزمة الداخلية في "إسرائيل"
تواجه "إسرائيل" مأزقاً كبيراً في حملتها الحالية؛ وليس من قبيل الصدفة أن يضغط "نتنياهو" بكل قوته لاستئناف الهجوم، فقصص البطولة والإشادات التي ينسبها لنفسه تتكشف تدريجياً عن إنجازات محدودة، أشبه بجبل أنجب قطة. ويتضح جلياً أن نحو 70% من الترسانة الصاروخية الإيرانية التي كانت مخبأة في "مدن تحت الأرض" لم تتضرر فعلياً، وهي تعود بسرعة إلى الخدمة.
ومع إعلان الحرس الثوري عزمه السعي الحثيث للحصول على الردع النووي، قد تتحول الحرب برمتها إلى كارثة استراتيجية لـ "إسرائيل" التي باتت تفتقر إلى أي سيطرة على مسار المفاوضات أو الوضع الميداني. كما تبددت "الأوهام الإسرائيلية" بإدراج بند "الحد من الصواريخ" في أي اتفاق مستقبلي؛ ولم يقتصر الأمر على رفض الإيرانيين لقطع العلاقات مع وكلائهم في المنطقة، بل انقلبت الآية ضد "تل أبيب". وفي هذا السياق، يُعد وقف إطلاق النار المفروض في لبنان انتصاراً إيرانياً ساحقاً بالنقاط.
إن الفرصة التاريخية للتوصل إلى تسوية مستدامة مع الحكومة اللبنانية تبدو على وشك الضياع؛ فحكومة "نتنياهو"، التي تُواصل تصعيد الحرب منذ ما يقارب ثلاث سنوات في محاولة للتنصل من مسؤولية كارثة 7 أكتوبر، تبدو عاجزة عن الانعطاف نحو المسار الدبلوماسي، لأن وقف الحرب يعني تلقائياً تفعيل "لجنة تحقيق رسمية".
إن آلة "الجيش الإسرائيلي" تُستنزف باستمرار، وينفد وقودها في حرب بلا نهاية على جميع الجبهات، وباتت أقرب إلى الاختناق العسكري منها إلى تحقيق هدف استراتيجي واضح.
قوات الاحتياط تعيش حالة انهيار، والجيش النظامي منهك وفقد انضباطه العملياتي تحت وطأة الضغط، والانتشار الواسع لحماية البؤر والمستوطنات في الضفة الغربية – والتي لا يملك الجيش القدرة البشرية الكافية لتأمينها بالكامل – بالإضافة إلى تشتيته على أربع جبهات متزامنة، كل ذلك أصاب القيادة بالشلل.
من "الاحتوء" إلى الذعر الهستيري
إن التمترس خلف الحواجز الأمنية والممرات اليوم في لبنان وغزة وسوريا قد أعاد "العقيدة الأمنية الإسرائيلية" 40 عاماً إلى الوراء؛ وهو إنجاز تكتيكي هزيل يتناقض تماماً مع شعار "النصر الكامل" الذي أطلقه "نتنياهو" للتغطية على فشله الذريع في حماية الحدود، مما سمح للمقاومة بالاستعداد لسنوات. لقد تحول مهندس مفهوم "الاحتواء والهدوء" من تفريطٍ مشلول إلى ذعر هستيري يهاجم كل ما يتحرك.
هذا المسار لن يحقق الأمن، بل يستنزف "الجيش الإسرائيلي" أكثر، وبات من الواضح أنه لن يصمد طويلاً في حرب استنزاف مفتوحة؛ ففي ظل هذا التراجع، بدأت حماس ترمم قوتها في غزة، ولا يتوقف حزب الله عن إطلاق الصواريخ.
وفي هذه الأيام الصعبة، يرى جنود الاحتياط وعائلاتهم في سلوك" رئيس الوزراء" خيانة واضحة؛ ففي الأسبوع نفسه الذي يُقتل فيه سبعة من جنودنا تنضاف أسماؤهم إلى قائمة الثمن الباهظ المدفوع، يسعى "نتنياهو" بكل قوته لتمرير "قانون التهرب من الخدمة العسكرية" (إعفاء الحريديم) ليضمن لنفسه بضعة أيام إضافية في منصبه. إن جيشاً يدفع هذا الثمن، يستحق حتماً قيادةً أكثر مسؤولية ونزاهة، وفي أقرب وقت ممكن.
المصدر: صحيفة "معاريف"/ اللواء المتقاعد "إسرائيل زيف"، قائد شعبة العمليات السابق في "جيش العدو الإسرائيلي"