ترجمة الهدهد

وضعت الاعتداءات العنصرية وأعمال التنكيل التي شهدتها أزقة البلدة القديمة بالقدس المحتلة خلال ما يسمى "يوم القدس"—بما شملته من بصق على الكهنة والراهبات، والاعتداء على المحلات التجارية للمسلمين والرموز الدينية—نظام "التعليم الإسرائيلي" في مواجهة أزمة قيمية عميقة تتجاوز إخفاقات اختبارات "بيزا" العلمية.

وتؤكد الدراسات والأبحاث أن "الجهل بالأديان الأخرى" وغياب المناهج التي ترسخ احترام حرية العبادة للأقليات، يُعدان الأصل المغذي لظواهر الكراهية والمضايقات المستمرة ضد المسلمين والمسيحيين في كيان العدز؛ حيث ينهي الطالب 12 عاماً من الدراسة دون فقه بأبسط معتقدات وتاريخ ديانتين رئيسيتين يعتنقهما خُمس "الإسرائيليين" ومليارات البشر عالمياً، مما يولد خوفاً ينقلب تلقائياً إلى ازدراء وعداء.

لا يتوقف الخلل التعليمي عند حدود الجهل بالآخر، بل يتعداه إلى غرس عقيدة "التفوق العرقي والديني" عبر تلقين قطاعات واسعة بأنهم "الشعب المختار" ووصم المسيحية بـ "الوثنية" لتبرير إيذائهم جسدياً ولفظياً.

وتحتوي المناهج الدينية للعدو على نصوص لاهوتية وتاريخية قديمة تحمل عداءً صريحاً وسخرية من الأغيار دون وساطة تعليمية تفسر سياقها التاريخي؛ ومن أبرزها "التلمود البابلي" الذي يعود لـ1500 عام ويضم تشريعات عتيقة تخص العبيد والجواري والنظرة القاصرة للمرأة، إضافة إلى نصوص أخرى مثل "سفر هاكوزاري" للحاخام "يهودا هاليفي"، وصلاة "الثامنة عشرة" اليومية، والتي يُصر البعض على تحويل لغتها القديمة غير المتزامنة مع العصر الحديث إلى ممارسات سياسية وعملية حية تفجر العنف والعنصرية وتلحق بالكيان أضراراً دولية جسيمة.

وفي مقابل هذا المنحى المتطرف، أظهر استطلاع رأي حديث أجراه "مهد سياسات الشعب اليهودي" (JPPI) وجود كوابح نسبية لدى الرأي العام؛ حيث تم استفتائهم حول واقعة قيام "جندي إسرائيلي" بتحطيم تمثال للسيد المسيح في جنوب لبنان وتصوير الفعل ونشره على منصات التواصل الاجتماعي.

وأعرب 90% من المشاركين (يهوداً وفلسطينيين) عن تخطئة سلوك الجندي؛ حيث اعتبر 65% منهم أن الفعل خطأ مبدئي لأن رموز الأديان لا تُحطم، وراى 13% أنه سلوك يضر بصورة "إسرائيل" عالمياً، في حين أرجع 12% الخطأ لمخالفة الأوامر العسكرية، مما يؤكد بقاء إدراك عام بوجود خط أخلاقي عام لا يجوز تجاوزه رغم شحن المناهج.

وتخلص القراءة التحليلية للمشهد إلى حاجة الكيان الملحة والأنية لتحويل هذا التوجه الشعبي الرافض للعنف إلى سياسة تعليمية رسمية تواجه بشجاعة مفاهيم "شعب الله المختار" المتطرفة وتخضع النصوص الدينية للتفكيك التاريخي.

ويتطلب المشهد تبني إصلاحات بنيوية تقر بالتعددية الدينية وتفهم الثقافات وحرية العبادة، ليس كـ "زينة ليبرالية" عابرة أو لإرضاء المجتمع الدولي، بل كركيزة أساسية لبناء مجتمع لا يرى نفسه متفوقاً على جيرانه، ولا يرعبه وجود مسجد أو كنيسة أو راهبة في الشارع، ويتوقف عن تربية أطفاله على عقيدة صناعة الأعداء.

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "ميشال بار-آشر سيغال"، عالمة في التلمود، ونائبة رئيس جامعة "بن غوريون" للعلاقات الدولية، وباحثة أول في معهد "جيه بي بي آي".