ترجمة الهدهد

كشفت التطورات السياسية الأخيرة عن تراجع حاد في قدرة "إسرائيل" على رسم خارطة التهديدات الإقليمية بمفردها، حيث بات جيشها مقيداً بالقتال فقط في الحدود والمساحات المسموح له بها أمريكياً، وسط قناعة متزايدة بأن تقلص نفوذ "تل أبيب" داخل الإدارة الأمريكية أصبح يشكل في حد ذاته تهديداً استراتيجياً يعزل طموحاتها ويُكبل نفوذها.

ووفقاً لقراءة المشهد الحالي، فإن "إسرائيل" تبدو غير مستعدة لـ "سيناريو ترامب"، وهو السيناريو الأكثر حسماً، حيث يصر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" على إبرام صفقات واتفاقيات شاملة تناقض "العقيدة الإسرائيلية" القائمة على الحرب الدائمة والاكتفاء بالإنجازات التكتيكية؛ مثل اغتيال قادة أو توسيع رقعة الأراضي المحتلة في غزة بنسبة 5%، أو هدم قرى في لبنان، وهي خطوات تراها تل أبيب نصراً بينما يراها "ترامب" مجرد ممهدات لاتفاق استراتيجي مع إيران.

ويتجلى خطورة هذا التحول في تجاوز "ترامب" لـ "الرغبات الإسرائيلية"؛ إذ يبرر قراراته بتأجيل الهجمات على طهران تلبيةً لطلبات قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات وقطر، ونصّب نفسه مديراً عاماً للمحادثات في غزة ولبنان، بل وبات يرى في النظام الإيراني "الجديد" شريكاً محتملاً بعد توجيه ضربات تكتيكية له، فضلاً عن سماحه لمساعديه بالتحدث مع قادة "حماس"، وإبرامه اتفاقاً منفصلاً مع "الحوثيين"، والتعامل مع الرئيس السوري كحليف "يقوم بعمل رائع"، وهو ما جعل مصطلح "شريك" يحمل دلالة تهديدية في "القاموس الإسرائيلي".

ويأتي هذا الواقع الجديد ليقوض الحرب على إيران والوعود التي أطلقها رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" قبل عامين في وجه الرئيس السابق "جو بايدن" عندما هدد بوقف شحنات الأسلحة أثناء المعارك رفح، متبجحاً بالقدرة على القتال الفردي حتى آخر رمق؛ فبرغم السيطرة على رفح ونصف غزة، وإنشاء شريط أمني في لبنان ومنطقة عازلة في سوريا، لا يزال "الإسرائيليون" يعيشون في رعب، ويعضون أصابعهم أملاً في أن يفتح قطب البيت الأبيض أبواب الجحيم على إيران، لعجزهم عن مواجهتها منفردين.

وفي المحصلة، يفرض "ترامب" واقعاً ينهي عهد الحروب الإسرائيلية الخاصة ذات السيطرة الحصرية، موجهاً رسالة حازمة لتل أبيب بأن أي مواجهة جديدة مستقبلاً يجب أن تخضع لموافقته الشخصية وتُخاض "بمخالب إسرائيل" وعلى حساب مواردها الذاتية، مما يضع حداً لأوهام الكيان بقدرته المنفردة على "تغيير وجه الشرق الأوسط".

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "تسفي بارئيل"