ماذا تريد باكستان من الحرب على إيران؟
ترجمة الهدهد
سارعت الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران من وتيرة تحول باكستان من لاعب هامشي إلى عنصر ذي أهمية استراتيجية متزايدة في الشرق الأوسط؛ إذ نجحت إسلام آباد في التأثير على مسار الأحداث عبر صياغة معادلة دقيقة جمعت بين قيادة جهود وساطة نشطة لوقف إطلاق النار، والوفاء بالتزاماتها الأمنية والعسكرية الراسخة تجاه حليفتها المملكة العربية السعودية.
وتمثّل المحور الأبرز في هذا التحول بنجاح باكستان في فرض نفسها وسيطاً رئيسياً بين طهران وواشنطن، واستضافتها لمحادثات تمديد الهدنة على أراضيها؛ مستفيدة من ظروفها الفريدة التي تشمل علاقاتها المتوازنة مع الطرفين، وخلو أراضيها من القواعد الأمريكية، وقربها الجغرافي من بؤر الصراع، فضلاً عن رغبتها في تجنب الانجرار لحرب جديدة وهي تواجه صراعاً مستمراً مع أفغانستان، وتفادي استثارة نفوذ إيران بين غالبية السكان الشيعة في الداخل الباكستاني، إلى جانب حماية مصالحها الاقتصادية المعتمدة على دول الخليج التي تحتضن ملايين العمال الباكستانيين.
وعلى الجبهة الأخرى، جاء تحرك إسلام آباد الدبلوماسي مدفوعاً برغبتها في حماية المصالح الأمريكية في السعودية التي تعرضت لهجمات إيرانية منذ اليوم الأول للحرب، وتجنب الضغوط التي قد تجبرها على "اختيار أحد الطرفين" بموجب اتفاقية الدفاع المشترك؛ حيث تريثت باكستان ولم تفعّل التزاماتها الميدانية إلا بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لتعُلن وزارة الدفاع السعودية في 11 أبريل/نيسان 2026 وصول طائرات مقاتلة باكستانية وعناصر عسكرية إضافية إلى قاعدة "الملك عبد العزيز الجوية" في المنطقة الشرقية، كرسالة ردع استراتيجية موجهة لطهران لمنع التصعيد، واستجابة لشعور الرياض بالضعف وحاجتها لترميم قدراتها الدفاعية.
ويعكس هذا الانتشار العسكري، الذي جاء بعد نحو ستة أسابيع من بدء الهجوم الإيراني، عمق الترابط الوثيق بين أمن الخليج والاقتصاد الباكستاني؛ إذ تنظر الرياض إلى إسلام آباد كأصل استراتيجي وعمق بشري وعسكري مجرب لا يهدد استقرار الأسرة المالكة سياسياً، في حين تستفيد باكستان من مساعدات مالية واسعة ونفوذ خليجي، فضلاً عن الدور الحساس لبرنامجها النووي الذي دعمته المملكة مالياً لسنوات طويله كنوع من "التأمين الاستراتيجي" للمستقبل، مما يثبت قدرة السعودية على الاستفادة من حلفائها الإقليميين دون الاعتماد الكلي على واشنطن في إطار سياسة "التنويع الاستراتيجي".
وفي المحصلة، يفتح الدور الباكستاني الجديد الباب أمام إمكانية تشكيل "تكتلات" سياسية وإقليمية جديدة، وإن كانت مؤقتة وغير رسمية، في ظل سعي الدول العربية لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة وبناء شبكات شراكة متنوعة؛ لتبرز باكستان كلاعب رئيسي في آلية التوازن الإقليمي المصممة للتعامل مع حالة عدم الاستقرار الراهنة، وركيزة مؤثرة في موازين القوى الناشئة بالمنطقة.
المصدر: "القناة 12"/ الدكتور "يوئيل غوزانسكي"، خبير في دول الخليج، وباحث أول ورئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في جامعة "تل أبيب"