يواجه ترامب أصعب قرار في رئاسته
ترجمة: الهدهد
القناة 12
اللواء (احتياط) عاموس يادلين - الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، ورئيس ومؤسس منظمة "مايند إسرائيل".
إن إعلان الرئيس دونالد ترامب، بناءً على طلب دول الخليج، تأجيل الهجوم العسكري على إيران، الذي كان مقرراً أمس (الثلاثاء)، لا يستبعد تجدد الحرب بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران، بل قد يشير إلى اقترابها. على أي حال، فإن تصريحات ترامب المتكررة بشأن الحرب، رغم تناقضها في كثير من الأحيان، تدل على الوضع المعقد الذي يجد نفسه فيه، نظراً لفشله في انتزاع اتفاق من إيران بشأن الملف النووي وحرية الملاحة، حتى بعد استخدام القوة بشكل غير مسبوق لمدة أربعين يوماً تقريباً، وفرض حصار مستمر على مضيق هرمز.
في ظلّ جمود المفاوضات مع إيران، يُجري ترامب مباحثات مستمرة مع القيادات الأمنية والعسكرية الأمريكية حول البدائل المتاحة له لزيادة الضغط على النظام في طهران، بما في ذلك تصعيدٌ مُركّزٌ للأعمال العدائية. لكنه في الواقع يُناور بين مسارات عملٍ تُشكّل جميعها إشكاليةً بالنسبة له. أما "إسرائيل"، فتعتمد على قراراته، التي بات تأثيرها عليها محدودًا في الوقت الراهن، رغم أن نتائجها ستُؤثّر تأثيرًا بالغًا على مصالحها الاستراتيجية.
بدائل ترامب
البديل أ - اتفاقية إشكالية
يبدو أن التوصل إلى "اتفاق جيد" غير وارد، إن لم يكن مستحيلاً، دون زيادة حادة في الضغط على إيران. تشعر إيران أنها تملك ورقتين رابحتين: إغلاق مضيق هرمز والتهديد بتعطيل إنتاج الطاقة في الخليج، ولا تُقدم لترامب "سلمًا" يسمح له بإعلان إنهاء الحرب. طهران غير مستعدة للعودة إلى "الوضع الراهن" في مضيق هرمز، وتضع سلسلة من الشروط الصارمة بشأن الرقابة عليه ورفع العقوبات للوصول إلى مفاوضات نووية، مُشيرةً بذلك إلى عدم استعدادها لتقديم تنازلات واسعة النطاق. أي اتفاق يُبقي على تخصيب اليورانيوم الإيراني (ليس فقط بنسبة 60%، بل بنسب أقل)، سيسمح لها بتخصيبه أو، الأسوأ من ذلك، تكديسه، دون رقابة دقيقة وشاملة على برنامجها النووي، وسيكون اتفاقًا سيئًا وخطيرًا.
الخيار ب - استمرار الحصار على الموانئ الإيرانية
يُلحق الحصار ضرراً بالغاً بالاقتصاد الإيراني، وقد يُلحق أضراراً جسيمة بآبار النفط الإيرانية وقدرتها الإنتاجية. من جهة أخرى، فإن نظاماً مستعداً لذبح مواطنيه جماعياً، يُمكنه بالتأكيد إثبات قدرته على الصمود على المدى الطويل، حتى على حساب وضعه الاقتصادي ورفاهيته. في المقابل، فإن عجلة الاقتصاد العالمي تدق، وبدون القدرة على ضخ بديل في السوق لعشرين مليون برميل من النفط التي تُهدر يومياً عبر مضيق هرمز، ستنضب احتياطيات النفط العالمية، مما قد يُزعزع استقرار الاقتصاد العالمي.
الخيار ج - كسر الحصار الإيراني على مضيق هرمز بالقوة والعودة إلى "مشروع الحرية"
في الآونة الأخيرة، اتخذ ترامب قراراً بمثل هذه الخطوة، لكنه تراجع عنها في غضون يوم واحد. جاء ذلك في ظل مخاوف حلفائه من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تصعيد واسع النطاق وأزمة اقتصادية مُهددة في الخليج، وذلك بعد تأكيدات مساعديه بأن عرضاً إيرانياً "جيداً" في طريقه. يكمن الخطر الكامن في عملية كسر حصار مضيق هرمز في الضرر الذي قد تُلحقه إيران بدول الخليج، وفي ديناميكية قد تُفضي إلى حرب شاملة، وهو ما يسعى ترامب لتجنبه
الخيار د - حرب مركزة/حرب واسعة النطاق
قد يحاول ترامب زيادة الضغط تدريجيًا على إيران لحملها على تقديم تنازلات، من خلال توجيه ضربات تحذيرية إلى بنيتها التحتية للكهرباء والطاقة، أو شن عملية عسكرية برية واسعة النطاق ومعقدة وخطيرة لإزالة اليورانيوم المخصب الإيراني. ومن المتوقع أن ترد إيران، بدورها، باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، وأن ترتفع أسعار النفط بشكل حاد، وأن يتحول الصراع إلى حرب طاقة شاملة. كل هذا دون أي ضمانات بأن إيران ستوافق على تقديم تنازلات جوهرية، وفي الوقت الذي يستمر فيه تراجع الدعم للحرب ولترامب عشية انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، ويعزى ذلك جزئيًا إلى ارتفاع أسعار الوقود في محطات البنزين بالولايات المتحدة.
الخيار هـ - إعلان النصر والرحيل
وكما ألغى ترامب بشكل مفاجئ العملية ضد الحوثيين العام الماضي، فإنه قد يعلن نصراً عسكرياً على إيران ويسحب القوات الأمريكية من مضيق هرمز. سيُفتح المضيق، ويتحرر الاقتصاد العالمي من أزمة نقص الطاقة. ورغم أن بعض المحللين يرون أن هذا الخيار هو الأقل تكلفة بالنسبة للولايات المتحدة في ظل هذه الظروف، إلا أن تكاليفه المستقبلية قد تكون باهظة للغاية.
ستسيطر إيران فعلياً على المضيق، وستمتلك نفوذاً تهديدياً على جميع دول الخليج ودول آسيا وأوروبا، وستصبح قوة لا يستهان بها على الصعيد العالمي. سيُزعزع هذا الواقع قواعد حرية الملاحة في المياه الدولية، وقد يُشجع جهات فاعلة أخرى في الشرق الأوسط وحول العالم على فرض رسوم عبور عند "الاختناقات" البحرية، من باب المندب إلى مضيق ملقا. والأسوأ من ذلك، أن الولايات المتحدة ستفقد مكانتها التي راكمتها كقوة عظمى مهيمنة في الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين، بطريقة قد تزيد من جرأة الصين تجاه تايوان وجرأة روسيا تجاه أوروبا. كل هذا قبل أن نتطرق حتى إلى القضية النووية واحتمالية أن يُغري النظام الإيراني باستغلال الانسحاب الأمريكي للمجازفة والوصول إلى قدرة عسكرية نووية.
ماذا بعد؟
على الرغم من تردد ترامب، وما يبدو أنه ضغط عليه من حلفائه الخليجيين للالتزام بالدبلوماسية في الوقت الراهن، تُظهر تحليلات السيناريوهات أنه إذا استمرت إيران في الإصرار على مواقفها المتشددة في المفاوضات - كما يتضح من مسودة الاتفاق الأخيرة التي أرسلتها إلى الولايات المتحدة، والتي رفضها ترامب باعتبارها غير كافية - فإن احتمالات تجدد الحرب تتزايد عاجلاً أم آجلاً. وقد أفادت وسائل الإعلام الأمريكية بأن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تستعدان بالفعل، منذ وقف إطلاق النار، على نحو غير مسبوق لتجديده هذا الأسبوع، وقد أطلع قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ترامب على الخطط العملياتية الأمريكية، والتي وُصفت بأنها حملة قصيرة وقوية تهدف إلى زعزعة التقييم الإيراني للوضع.
أصبحت أزمة السيطرة على مضيق هرمز أكثر إلحاحًا، على الأقل في المدى المتوسط، من القضية النووية، التي كانت السبب الرئيسي لدخول الولايات المتحدة الحرب. يُعدّ هذا فشلًا لإدارة ترامب، التي فوجئت بالأزمة ولم تستعد مسبقًا لمنع إيران من إغلاق مضيق هرمز. سعت إيران، من جانبها، إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط لإنهاء الحرب دون تقديم أي تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي، وأنظمة صواريخها، ووكلائها في المنطقة. إلا أن "الطعام يُثير الشهية"، والآن لا يرغب النظام الإيراني في التراجع والسماح بحرية الملاحة في المضيق. وبذلك، تُقيّد إيران ترامب بالأزمة وتمنعه من الانسحاب منها بشكل منفرد.