ترجمة الهدهد

تتمسك "إسرائيل" بمبدأ التفوق العسكري المطلق في الشرق الأوسط كشرط وجودي لحماية مستوطنيه، وهو ما يترجم في مطالبها المستمرة بنزع سلاح "حزب الله" وحركة "حماس"، وتفكيك القدرات النووية الإيرانية وتقليص ترسانتها الباليستية.

ورغم أن هذه الرغبة تحظى بإجماع داخلي واسع بعد سنوات من الحروب، إلا أن "المقاربة الإسرائيلية" تواجه معضلة استراتيجية كبرى؛ إذ تطالب "الدولة" بإخضاع خصومها وإضعافهم، وفي الوقت ذاته ترفض السماح ببناء قوى بديلة مستقرة وذات سيادة قادرة على ملء الفراغ، مما يهدد بتحويل "الانتصارات العسكرية" إلى بؤر استنزاف دائم.

ويتجلى هذا التناقض بوضوح على الساحة اللبنانية؛ فحين تطالب "تل أبيب" بنزع سلاح حزب الله ونشر الجيش اللبناني في الجنوب، فإنها تعارض في الوقت نفسه أي تعزيز تسليحي نوعي لهذا الجيش خشية توجيه قدراته ضدها مستقبلاً.

ويتزامن هذا التحفظ مع تحديات ميدانية خانقة يواجهها الجيش اللبناني الذي يعمل "بشكل يفوق طاقته" وبمساعدات دولية شحيحة لا تكفي سوى لتسيير العمليات اليومية، فضلاً عن تعثر خطة انتشاره جنوباً جراء الدمار الهائل الذي يعطل عودة سكان عشرات القرى، وضبابية آليات التعامل مع السلاح شمال نهر الليطاني.

مقارنة تاريخية: بين نموذج سيناء واتفاقيات أوسلو

توضح القراءة التاريخية أن "نزع السلاح" نجح كآلية أمنية عندما جاء في إطار تسوية سياسية شاملة، كما حدث في نموذج شبه جزيرة سيناء بموجب اتفاقية السلام مع مصر، حيث تخلت "إسرائيل" عن الأرض مقابل زوال خطر الحرب المباشرة وإنشاء آلية أمنية مشتركة ومستدامة.

وفي المقابل، يبرز نموذج السلطة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو كشاهد على الفشل؛ إذ وافقت القيادة الفلسطينية على تفكيك بنيتها المسلحة وسلوك المسار السياسي، لكن "إسرائيل" تعاملت معها تدريجياً كـ "شركة أمنية" وحرمتها من الأفق السياسي، بالتزامن مع توسيع المستوطنات وتقويض الترابط الجغرافي، مما أضعف السلطة وقوّى خصومها في حركة حماس.

يرى محللون أن التنسيق الأمني الحالي في الضفة الغربية، وإن كان يوفر أمناً مؤقتاً لـ "إسرائيل"، فإنه يعمق مشاعر القمع والاحتلال لدى الفلسطينيين، ويتحرك المشهد نحو مزيد من التصعيد مع تبني أقطاب الحكومة لخطاب متطرف؛ كدعوات وزير المالية المتطرف "بتسلئيل سموتريتش" لإسقاط السلطة الفلسطينية وهدم قرية "خان الأحمر"، وتأييد وزير الأمن القومي المتطرف "إيتامار بن غفير" لفكرة الاستيطان في جنوب لبنان، بالتزامن مع إقرار مجلس السلام الذي شكله الرئيس "ترامب" بفشله أمام الأمم المتحدة.

مخاطر "فراغ القوة" ونشوء جماعات أكثر راديكالية

وتخلص القراءة الاستراتيجية للمشهد إلى أن الاعتماد على مصطلحات مثل "الكسر، الإسقاط، والقهر" كأدوات وحيدة لإدارة الصراع لا يشكل استراتيجية كاملة، فإضعاف الخصوم عسكرياً دون تقديم أفق سياسي أو اقتصادي يبني واقعاً مستقراً مكان الأسلحة المفككة، يؤدي حتماً إلى نتائج عكسية؛ حيث يُملأ الفراغ الناجم عن غياب السلطات الفاعلة بموجات جديدة من الغضب واليأس، مما يمهد الطريق لظهور حركات أكثر تطرفاً وراديكالية من سابقاتها.

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "جاكي خوري"