ترجمة الهدهد

تواجه دول الخليج العربي ضغوطاً سياسية وأمنية هائلة مع تزايد المؤشرات على هجوم أمريكي محتمل ضد إيران، وفي عمق هذا المشهد الملتف بالتوتر، تبدو المملكة العربية السعودية الأكثر قلقاً وتوجساً، تزامناً مع استضافتها لموسم الحج؛ التجمع الدينية الأكبر في العالم الإسلامي.

ويطرح هذا التوقيت البالغ الحساسية تساؤلات استراتيجية ملحة حول ما إذا كان انشغال طهران بموسم الحج يمثل فرصة عملياتية "لا تُعوّض" لواشنطن لتوجيه ضربة قاصمة لنقاط الضعف الإيرانية، وعن أبعاد ودلالات الانتشار العسكري الأخير لقوات مصرية وباكستانية في السعودية والإمارات.

وبينما ركز المراقبون على ضيق الهامش الزمني المتاح للعملية العسكرية بين موعد نهائيات كأس العالم واحتفالات عيد الاستقلال الأمريكي في الرابع من يوليو، برز محدد أكثر حيوية في الحسابات العسكرية، وهو موسم الحج الذي استقبل نحو مليون ونصف المليون مسلم في مكة المكرمة.

بالنسبة لصناع القرار في الرياض، فإن اندلاع مواجهة شاملة مع إيران في هذا التوقيت يمثل كابوساً حقيقياً، خاصة وأن التصعيد الأخير كان قد شهد إطلاق عشرات الطائرات المسيرة والصواريخ باتجاه أراضي المملكة من إيران، ومن قِبل فصائل مسلحة في العراق، استهدفت بنى تحتية مدنية واقتصادية حساسة تشمل موانئ ومطارات وخطوط أنابيب نفط.

ورغم التهديدات الإيرانية المتكررة باستهداف دول الخليج – التي يمر عبرها نحو 20% من النفط العالمي و10% من الغاز – كأداة ضغط في أزمة الطاقة العالمية، إلا أن البُعد الديني يفرض نفسه اليوم كمعادلة ردع كبرى.

فأي استهداف إيراني للمنطقة خلال الحج سيفجر حالة ذعر جماعي بين الحجاج، ويضع طهران تحت طائلة إدانة إسلامية غير مسبوقة بتهمة انتهاك ركن رئيسي من أركان الإسلام، ومخاوف الاستهداف هذه ليست ضرباً من الخيال، إذ سبق للحوثيين أن أطلقوا صواريخ باليستية باتجاه منطقة مكة المكرمة في أكتوبر 2016 ويوليو 2017، نجحت الدفاعات الجوية السعودية في اعتراضها، علماً بأن تلك الهجمات لم تتزامن حينها مع موسم الحج نفسه.

تاريخياً، يستحضر الوجدان السني حوادث مؤلمة لتعطيل الحج بسبب الصراعات السياسية والمذهبية، أبرزها غارة "القرامطة" في العصور الوسطى، والذين ارتكبوا مجزرة بحق الحجاج وسرقوا الحجر الأسود ليعطلوا الحج لنحو 22 عاماً.

وحتى في التاريخ الحديث، شهدت ثمانينيات القرن الماضي أحداث شغب سياسي وإراقة دماء من قبل حجاج إيرانيين عقب الثورة الإسلامية عام 1979، ومذ ذاك الحين، تنتهج السلطات السعودية سياسة حازمة وقاطعة تحظر أي أنشطة أو شعارات سياسية داخل المشاعر المقدسة، بما في ذلك التظاهرات المؤيدة لحماس أو النظام الإيراني.

وفي مقابل ذلك، أنهت دول الخليج حقبة "ضبط النفس" والامتناع عن الرد، حيث تشهد المنطقة تحولاً جذرياً في قواعد اللعبة عبر تعزيزات عسكرية استباقية غير مسبوقة، فقد نشرت باكستان في السعودية نحو 8000 جندي، مدعومين بمقاتلات من طراز "JF-17" وأنظمة دفاع جوي متطورة، بالتزامن مع نشر مصر لمقاتلات من طراز "رافال" وأنظمة اعتراض جوي قصيرة المدى في دولة الإمارات.

وجاء هذا التحرك العسكري كاستجابة خليجية حازمة لضمان مشاركة الحلفاء المستفيدين من الدعم الاقتصادي الخليجي، حيث تُرجمت الاتفاقيات الأمنية إلى واقع ملموس يربط الأمن القومي لمصر وباكستان بأمن الخليج، بحيث يعني أي قصف إيراني للمملكة أو الإمارات انخراطاً عسكرياً مباشراً – وإن كان محدداً – للقاهرتين وإسلام آباد في الصراع.

وفي ضوء هذه التعقيدات، تتأرجح الحسابات الاستراتيجية بين ثلاثة أبعاد دينية واقتصادية وعسكرية، مما يضع طهران في موقف مقيد سياسياً كونها لا تتوقع هجوماً في هذا التوقيت وتخشى تبعات رد الفعل، وهنا بالذات تتباين المصالح "الأمريكية والإسرائيلية" بشكل حاد.

فمن جهة، تفضل واشنطن التريث حتى انقضاء موسم الحج لتجنب إحراج حلفائها في المنطقة أو تقويض التحالف الاستراتيجي مع الدول السنية الكبرى، لا سيما "الرباعية" (السعودية، مصر، باكستان، وتركيا)، مستغلة هذا الهامش لاستكمال الاستعدادات اللوجستية وتفعيل الوساطات الدبلوماسية لانتزاع تنازلات من طهران.

وعلى النقيض من ذلك، ترى "تل أبيب" أن التوقيت الحالي مثالي لشن الضربة؛ نظراً لعنصر المفاجأة التامة وإمكانية شل البنية التحتية النووية الإيرانية وهي في حالة استرخاء عملياتي.

وتعتقد "الأوساط الإسرائيلية" أن العواصم السنية ستتجاوز الإدانات الدبلوماسية المؤقتة لتشكر "إسرائيل" سراً على إنهاء الخطر النووي الإيراني، وبين حسابات التريث الأمريكي ومقامرة "المفاجأة الإسرائيلية"، تظل أجواء الخليج حبلى بالاحتمالات، في وقت يتحول فيه موسم الحج من شعيرة دينية إلى محور مناورة استراتيجية تحبس أنفاس المنطقة والعالم.

المصدر: صحيفة "معاريف"/ "يارون فريدمان"