تسونامي سياسي يعزل "إسرائيل" ويحولها إلى كيان منبوذ
ترجمة الهدهد
تواجه "إسرائيل" موجة غير مسبوقة من التهديدات الأوروبية الحادة التي تصاعدت مؤخراً، وتمثلت في تقييد استيراد منتجات المستوطنات وفرض عقوبات على كبار المسؤولين، على خلفية تقارير دولية تدين تصاعد الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، والمعاملة القاسية للمشاركين في "أسطول الحرية".
ويرى الغرب رابطاً مباشراً بين هذه الإجراءات وبين "فيديو الأسطول" الذي أنتجه "بن غفير" وأثار ضجة عالمية، وسط قناعة دولية بأن تغييراً جذرياً يطرأ على "طابع إسرائيل" وصورتها الديمقراطية، ما يستدعي إعادة النظر في تعريف العلاقات معها وتحويلها تدريجياً إلى دولة منبوذة.
وفي مؤشر تحذيري بارز، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي عن نيتها إصدار مذكرات توقيف بحق "مسؤولين حكوميين وعسكريين إسرائيليين" بتهم ارتكاب جرائم حرب، وفي رد فعل فوري، وصف وزير المالية "سموتريتش" -الذي ورد اسمه في القائمة- القرار بأنه "معادٍ للسامية"، ووقع أمراً بإخلاء منطقة خان الأحمر لتثبيت مصلحة الاستيطان، كما وقع خطوة حاسمة للبناء في منطقة "E1"، مما دفع رؤساء دول غربية لإصدار بيان مشترك يحذر "الشركات الإسرائيلية" من انتهاك القانون الدولي بالبناء في تلك المنطقة.
وتتزامن هذه التطورات مع تغير ملموس في مواقف حلفاء "تل أبيب" التقليديين؛ إذ تتصدر إيطاليا الانتقادات الموجهة لأسلوب التعامل العنيف مع الأسطول، وتتخذ ألمانيا موقفاً أكثر صرامة، في حين لم تعد المجر بقيادة "أوربان" حصناً منيعاً ضد القرارات المناهضة لـ "إسرائيل" داخل الاتحاد الأوروبي.
كما حظرت هولندا استيراد بضائع المستوطنات وشرقي القدس، وتخطط فرنسا والسويد لتقديم مقترحات مماثلة، مما يفند الأوهام السائدة في "إسرائيل" بأن العالم قد سئم من الفلسطينيين، أو أن الموقف المتأرجح للرئيس الأمريكي "ترامب" -الذي سبق واستخدم مصطلح "الدولة الفلسطينية" في قرار لمجلس الأمن بشأن الاستيطان في غزة- سيوفر لها غطاءً مطلقاً.
وتأتي هذه العزلة المتنامية نتيجة انعكاس الواقع الميداني على شاشات التلفزة العالمية، حيث تُعرض مشاهد قتل وإيذاء الفلسطينيين في الضفة الغربية، واعتداءات المستوطنين على الحيوانات، وإذلال الراهبات المسيحيين، والانتهاكات المصاحبة للاحتفال بـ "يوم القدس"، فضلاً عن التصريحات المتطرفة حول إبادة "عماليق" وبناء الهيكل.
هذه الممارسات رسخت صورة "إسرائيل" كـ "جالوت" متطرف وعنيف بدلاً من صورة "داود" العادل والمتطور، وجعلت المجتمع الدولي يتذكر أحداث 7 أكتوبر بشكل أقل، ولا يراها مبرراً لاستخدام القوة المستمرة.
وفي مواجهة هذا المأزق، تحاول النخبة الحكمة صياغة سردية داخلية تزعم أن الضغوط الدولية تستهدف جميع "الإسرائيليين" وتمس مصالحهم المشتركة، وهو ما يتطلب من الرأي العام الداخلي إدراك تداعيات هذه السياسات على مجالي الاقتصاد والعلوم.
كما تبرز الحاجة الملحة لإيضاح أن هذا المسار المتطرف لا يمثل أغلبية "الإسرائيليين"، بل يمثل ائتلافاً من قطاعات فرضت رؤيتها كسياسة وطنية نتيجة ظروف سياسية مضطربة، وهو واقع يملك المجتمع القدرة على تغييره في الانتخابات المقبلة.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ الدكتور "ميخائيل ميلشتاين"، باحث أول في مركز دايان بجامعة "تل أبيب" ومؤلف كتاب "جيل الطوفان".