إذا لم يُمثّل "بن غفير" قيم "إسرائيل"؟ فمن يُمثّلها؟
ترجمة الهدهد
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ أحمد الطيبي، عضو كنيست ورئيس الحركة العربية للتغيير
بعد أن قام الوزير "إيتامار بن غفير" بمضايقة نشطاء الأسطول الدولي بشكل مخزٍ، بما في ذلك الإذلال العلني والاستفزازات، وتحويل القرصنة والاستيلاء العنيف على سفن الأسطول — وهو ما يمثل في حد ذاته انتهاكاً للقانون الدولي — إلى سيرك سياسي مروع، جاءت سلسلة ردود الفعل المتوقعة: استدعت الدول الأوروبية سفراءها، وأصدرت إدانات واسعة، وقدمت وسائل الإعلام العالمية "إسرائيل" مرة أخرى في صورة الكيان القوي والعنيف؛ كدولة صاخبة بلا حدود.
ثم، وكما جرت العادة، دخلت آلية الإنكار الوطني حيز التنفيذ؛ إذ سارع "نتنياهو" إلى الإعلان أن سلوك "بن غفير" لا يُمثل قيم "دولة إسرائيل"، ويُعد هذا التصريح من أكثر الأكاذيب فائدة في السياسة الإسرائيلية؛ فـ "بن غفير" لا يُمثل، و"بتسلئيل سموتريتش" لا يُمثل، و"ماي غولان" لا تُمثل، و"شلومو كيري" لا يُمثل، والمستوطنون العنيفون لا يُمثلون، وكذلك مجموعات "فتيان التلال" لا يُمثلون! فمن يُمثل هذا البلد إذن؟
الحقيقة بسيطة، لكنها أكثر رعباً: إنهم جميعاً يُمثلونها، "سموتريتش"، بقيمه المروعة وبنظرته القائمة على التفوق العرقي، يُمثل حالياً جزءاً محورياً من الحكومة، و"بن غفير" لا يُعتبر خروجاً عن النظام، بل هو نتاج طبيعي له؛ فقد سيطرت "الكاهانية" منذ زمن طويل على الحكومة و"الكنيست" والخطاب العام، وعلى منصات عديدة في وسائل الإعلام، ممارسةً وتشريعاً وسياستةً ولغة.
الحقيقة هي أنه منذ 7 أكتوبر، يُظهر معظم "الإسرائيليين" سماتٍ مختلفة من سمات "الكاهانية"؛ حيث طرأ تحوّلٌ عميقٌ في الوعي الجمعي، وأصبح الخوف والانتقام والشعور بالاضطهاد والغضب أرضاً خصبة للكثيرين لتطبيع العنصرية، ونزع الإنسانية، وتفوّق اليهود، والعنف السياسي، ولكن ما إن يُسلّط الضوء على واقع "المجتمع الإسرائيلي" حتى يُنكر الجميع ذلك فوراً ويرددون: "إنهم ليسوا نحن.. إنهم المتطرفون.. هذا لا يُمثّلنا".
لكن المظاهر لا تكذب؛ فما كان يُعتبر في السابق من المحرمات والخطوط الحمراء أصبح الآن هو السائد، وما كان يُهمس به على هامش مظاهرة عنصرية، يُقال الآن علناً على مائدة الحكومة وفي وسائل الإعلام الرئيسية. وكما أشارت الفيلسوفة "حنة أرندت":
"المشكلة لا تكمن في وجود الأشرار، بل في أن الناس العاديين يعتبرون الشر أمراً مفروغاً منه".
وهذا هو الخطر الحقيقي؛ ليس الأمر مجرد وجود متطرفين، بل إن التطرف لم يعد يُثير الصدمة. وقد حذر الكاتب "بريمو ليفي" قائلاً: "لكل عصر فاشية خاصة به". وفاشية "إسرائيل" اليوم لا تتجلى في الزي الأسود، بل في التشريعات، وفي استوديوهات التلفزيون، وفي تغريدات الوزراء، وفي الإذلال العلني للناس.
إن ردة فعل "المعارضة اليهودية الإسرائيلية" لا تكشف إلا عن عمق المشكلة؛ فقد رد "نفتالي بينيت" على أفعال "بن غفير" وتصريحاته المروعة بالقول إنه سيُنشئ "هيئة وطنية قوية للمعلومات". حقاً؟ هل هذه هي المشكلة؟ هل الأزمة في الآلة الإعلامية؟
العالم ليس مصدوماً لأن إسرائيل فشلت في تجميل الصور وتسويقها بشكل أفضل، بل لأنه يفهم تماماً حقيقة ما يراه. عندما يتحدث السياسيون الإسرائيليون عن هندسة المعلومات، فإنهم في الواقع يقولون إن المشكلة ليست في الأفعال والجرائم نفسها، بل في كيفية إدراك العالم لها، وهذا بحد ذاته مؤشر على مدى خطورة الوضع وانفصاله عن الواقع.
رغم أن هذه الآفة باتت عامة، إلا أن شخصاً واحداً يبرز فوق الجميع؛ "بنيامين نتنياهو" يمثل إسرائيل أكثر من أي شخص آخر. فهو ليس ضحية لهذه العملية، بل هو مهندسها الأول؛ إنه الرجل الذي شرّع "الكاهانية"، وزيّنها، وأدخلها إلى الحكومة، وجعلها مركز القوة السياسية.
في نظر المجتمع الدولي، يرتبط اسم "نتنياهو" بسياسة غير مسبوقة من التدمير، والعقاب الجماعي، وتهجير السكان المدنيين. أصبحت صور الضحايا من الأطفال، والأحياء المدمرة، وسياسة التجويع، والدمار الشامل جزءاً لا يتجزأ من نظرة العالم اليوم إلى إسرائيل. وعندما يتحدث وزراء حكومته علناً عن الهجرة الطوعية وتدمير المدن والمجاعة، لا ينظر العالم إلى هذا على أنه مجرد تصريحات عابرة، بل ينظر إليه كسياسة ممنهجة للدولة.
قد يحاول "نتنياهو" أحياناً التنصل من العناصر المتطرفة المحيطة به، لكنه في الحقيقة هو من منحهم السلطة والدعم والشرعية. لذا، فإن الحكومة الإسرائيلية ورئيسها هما الواجهة الحقيقية لـدولة إسرائيل. لسنوات، لعب "نتنياهو" بالنار ظاناً أنه قادر على السيطرة عليها؛ حرض ضد المواطنين العرب — الذين يمثلهم في "الكنيست" قادة بارزون مثل الدكتور "أحمد الطيبي" رئيس "الحركة العربية للتغيير" — عندما كان بحاجة إلى الأصوات، وضد اليساريين عندما كان بحاجة إلى البقاء السياسي، وحرض ضد النظام القضائي، وفكك كل آليات ضبط النفس، وداس على الأعراف كافة.
اليوم، لم يعد "نتنياهو" يسيطر على الوحش الذي رعاه؛ لذا فإن محاولته تصوير "بن غفير" كشخصية لا تمثل القيم الإسرائيلية هي اعتراف ضمني بأن العالم بات يربط "إسرائيل" بحكومتها وعنفها وعنصريتها، ولم يعد يؤمن بهذا الانفصال المصطنع؛ فالحكومة المنتخبة في انتخابات ديمقراطية هي المرآة الحقيقية للدولة.
بما أن "نتنياهو" هو أصل الشر السياسي والأخلاقي الذي قاد إسرائيل إلى وضعٍ لا تُعدّ فيه "الكاهانية" استثناءً بل نظاماً قائمًا، فإن "بن غفير" و"سموتريتش" وعنصريتهم وثقافة التحريض التي يتبنونها لن يزولوا إلا برحيله. سيستغرق الأمر سنواتٍ طويلة للحدّ من هذه الظاهرة الفاشية، ولكن السعي إلى ذلك يظل خطوة لا بديل عنها.