ما هو صحيح في غزة سيكون كارثة في لبنان
ترجمة الهدهد
تواجه "إسرائيل" حاليًا، إلى جانب مواجهتها مع إيران، ساحتين رئيسيتين هما قطاع غزة ولبنان. ورغم الإحباط المفهوم السائد بسبب عدم انتهاء الحرب بانتصار كامل، تجدر الإشارة إلى أن "الجيش الإسرائيلي" حقق إنجازات مهمة في هاتين الجبهتين؛ فقد وجّه ضربات قوية لحركتي حماس وحزب الله، وأجبرهما على القتال من أجل البقاء، كما نجح في كسر الرابطة التي حاولا توطيدها بينهما عبر استراتيجية "توحيد الساحات".
ومع ذلك لا تزال "إسرائيل" تتعامل مع هاتين المنظمتين اللتين تمتلكان قوة عسكرية وتتحديان حدود السيادة في كل من لبنان وغزة، مما يضع "القيادة الإسرائيلية" أمام سؤال استراتيجي جوهري حول كيفية تحويل الضرر البالغ الذي لحق بنفوذ هاتين المنظمتين إلى ترتيب مستقر يمنع إعادة تأهيلهما مستقبلاً.
وفيما يخص قطاع غزة، ورغم صمود حركة حماس، إلا أن الظروف السياسية أصبحت مؤخراً أكثر ملاءمة لـ "إسرائيل"؛ فعلى مدى أسابيع، حمّل "نيكولاي ملادينوف" -مبعوث مجلس السلام- حركة حماس مسؤولية عدم إحراز تقدم في إعادة إعمار القطاع ورفضها نزع السلاح، داعياً المجتمع الدولي إلى الضغط على الحركة، ومبدياً تشككه في إمكانية تحقيق نزع السلاح دون استخدام "القوة الإسرائيلية".
ومن وجهة نظر "إسرائيل"، يُعدّ هذا الموقف نقطة انطلاق ملائمة تُترجم إلى واقع ملموس، خاصة وأن العقوبات المفروضة على "إسرائيل" مع وقف إطلاق النار بدأت تتلاشى تدريجيًا في الأشهر الأخيرة، وتلاشى معها الخوف من تدويل السيطرة على قطاع غزة.
وفي السياق الميداني لغزة، تبين أن "مقر التنسيق المدني العسكري الدولي" المُنشأ في "كريات جات" — والذي قيّد في البداية حرية إسرائيل في العمل — يُثبت بشكل متزايد أنه أقل تقييدًا مما كان يُعتقد، بل إن تقارير عديدة أشارت إلى أن الولايات المتحدة تُفكّر في إغلاقه أو إعادة تنظيمه، بالتزامن مع تلاشي "مخاوف إسرائيلية" أخرى أبرزها الخوف من توغل قوات قطرية وتركية في القطاع.
وتُبيّن هذه التطورات مدى أهمية النظر إلى العمليات في أبعادها الصحيحة، حيث وسّع "الجيش الإسرائيلي" في الأسابيع الأخيرة نطاق سيطرته النارية المباشرة وغير المباشرة على نحو 63% من أراضي قطاع غزة، منفذاً عمليات مكافحة الإرهاب ضد عناصر حماس بشكل شبه يومي، ومستهدفاً فلول القيادة العسكرية المتورطة في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر.
ويُظهر اغتيال "محمد عودة" — الذي شغل منصب رئيس الجناح العسكري لأكثر من أسبوع بقليل بعد اغتيال "عز الدين حداد" — أن "إسرائيل" تسعى إلى إحداث زعزعة وظيفية مستدامة في حماس تمنعها من ترسيخ نظام القيادة واستمرارية العمل، حاملة رسالة واضحة بأن قيادة حماس ليست بمنأى عن الاستهداف حتى بعد وقف إطلاق النار طالما ترفض الحركة حلّ قواتها العسكرية.
ومن أهم نتائج هذه الهشاشة تحوّل مركز الثقل من قيادة غزة إلى القيادة الخارجية؛ فمنذ انتخاب يحيى السنوار قائداً لقطاع غزة عام 2017، باتت قيادة غزة والجناح العسكري تسيطران فعلياً على القرارات الاستراتيجية للحركة، علماً أن القيادة الخارجية لا تختلف عن قيادة غزة في أهدافها الاستراتيجية المعلنة لتدمير "إسرائيل".
ومع ذلك، فإن شخصيات بارزة في القيادة الخارجية، وعلى رأسها خالد مشعل، تبدي استعداداً — لأسباب عملية بحتة — لتقديم تنازلات تُمكّن الحركة من الصمود في وجه الواقع الكارثي الذي وجدت نفسها فيه نتيجة للاستراتيجية الراديكالية التي فرضها السنوار والجناح العسكري.
لكن حتى هذه السياسة الأكثر براغماتية من غير المرجح أن تُفضي إلى نزع السلاح أو تراجع حقيقي عن موقع الحركة المهيمن في قطاع غزة؛ لذلك، فإن احتمال اضطرار "إسرائيل" للعودة إلى القتال في غزة — هذه المرة دون تقييد ملف الرهائن الذين يعملون كدروع بشرية — يبقى الاحتمال الأرجح، كما يتوقع "ملادينوف" أيضاً.
وإذا كان هذا هو الخيار الأبرز، فعلى إسرائيل تهيئة الرأي العام العالمي لاتخاذ إجراءات تخدم مصالحها الأمنية وتُخفف من معاناة السكان الذين تُعرقل حماس إعادة تأهيلهم، مع التخطيط الدقيق لإجلاء السكان من مناطق القتال لتقليل الضرر بالأبرياء وتخفيف الانتقادات الدولية، تمهيداً لإقامة حكومة بديلة قوية تُفيد السكان ولا تُهدد "إسرائيل".
أما على الجبهة اللبنانية، فقد استُبدلت خطط حزب الله للسيطرة على الجليل بشريط واسع يمتد لعشرة كيلومترات تقريبًا تحتله "إسرائيل" على طول جنوب لبنان؛ ولا يمكن مقارنة الأوضاع في هذا الشريط بالمنطقة الأمنية التي كانت "إسرائيل" تسيطر عليها حتى مايو/أيار عام 2000 حيث اضطرت آنذاك للعمل وسط السكان المحليين.
فاليوم أصبحت هذه المنطقة خالية من سكانها الشيعة، ودُمّرت أجزاء كبيرة من قراهم بسبب البنية التحتية العسكرية التي أنشأها حزب الله فيها، وفي الأيام الأخيرة، صعّد "الجيش الإسرائيلي" الضغط ووسّع نطاق سيطرته هناك، في المقابل لا يقف حزب الله مكتوف الأيدي كحماس، بل يخوض حربًا منسقة وصعبة تُكبّد إسرائيل خسائر فادحة.
وتواجه "إسرائيل" في لبنان خيارين رئيسيين؛ الأول هو التحرك الشامل للقضاء على حزب الله كلياً، لكنه هدف غير واقعي ومكلف للغاية من حيث أرواح الجنود والموارد والشرعية الدولية، فضلاً عن غياب أي ضمانات للقضاء على الحركة حتى لو احتُل لبنان بأكمله، لأن حزب الله يمثل أيضاً حركة اجتماعية جماهيرية تحظى بدعم غالبية الطائفة الشيعية.
أما الخيار الثاني فيتمثل في مواصلة الإنهاك وإضعاف الحركة تدريجياً، حيث إن يدي "إسرائيل" في هذه المرحلة مُقيدة عن شن تحرك عسكري واسع النطاق بسبب القيود الأمريكية المتعلقة بالمفاوضات مع إيران، ولذا يتعين عليها في الوقت الراهن مواصلة تدمير البنية التحتية وإحباط العمليات، إلى جانب استغلال الاضطرابات الناجمة عن الأعداد الهائلة من النازحين، وهو مسار طويل وشاق يُنتج تآكلاً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً مستمراً في "إسرائيل" أيضاً دون نهاية واضحة.
وفي هذا السياق، يمس الخلاف الذي نشب قبل أيام بين الوزير "بتسلئيل سموتريتش" و"رئيس الوزراء" جوهر المشكلة، حيث اقترح "سموتريتش" هدم مبنى مقابل كل طائرة مسيرة تهاجم القوات، بينما رد "نتنياهو" ساخرًا ومتسائلاً عما إذا كان إطلاق 30 طائرة مسيرة يستدعي هدم 30 مبنى، مؤكداً أن المؤسسة الأمنية تبحث عن حلول تكنولوجية لمواجهة هذا الخطر.
وبعيداً عن السجالات السياسية، ينبغي مراعاة نقطتين مهنيتين؛ أولاهما أنه في ظل غياب حل تقني فعال لاعتراض الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية، فإن الأداة الوحيدة التي تملكها إسرائيل لإجبار حزب الله على إعادة حساب جدوى عملياته هي خلق معادلة غير متكافئة بين إطلاق هذه الطائرات والرد عليها، حيث إن القيود الأمريكية التي تمنع "إسرائيل" من العمل في بيروت لا تحول دون ردها بتدمير مبانٍ تابعة للحزب في "النبطية" أو "صور"، طالما أن تكاليف هذه المعادلة واضحة ومتسقة وفعّالة، خاصة وأن فقدان المنزل يُعد صدمة نفسية شديدة ومستمرة للبيئة الحاضنة في ظل عجز حزب الله وحماس عن تعويض المتضررين حالياً.
أما النقطة المهنية الثانية، فتؤكد أنه بعد سنوات طويلة من الاعتماد المفرط على الحلول التقنية لمواجهة التهديدات الصاروخية والجوية — وهي المقاربة التي تهاوت بفعل هجوم 7 أكتوبر — كان من المتوقع أن يتغير الخطاب الإسرائيلي تماماً؛ إذ ينبغي استبدال الوعود بإيجاد حل تقني يمكّن من احتواء العدو بسياسة هجومية تستهدف جذور المشكلة مباشرة.
إن البحث عن حلول دفاعية أمر ضروري ومهم بلا شك، لكنه لا يغني أبداً عن السياسة الاستباقية الفعالة، لا سيما وأن الجنود والمدنيين المعرضين للخطر في الشمال لا يملكون متسعًا من الوقت لانتظار نضوج وتطوير مثل هذه الحلول التقنية.
المصدر: "القناة 12"/ الدكتور "هاريل حوريف"، مؤرخ وخبير في المجتمع الفلسطيني وباحث أول في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط في جامعة "تل أبيب".