شبكة الهدهد

أولاً: تلخيص موسع للأحداث (على امتداد الساحات)

1. قطاع غزة: عمليات عسكرية مستمرة ومؤشرات مرحلة ثانية

رغم الإشارات المتكررة في التقارير إلى وجود اتفاق لوقف إطلاق النار سارٍ منذ 11 أكتوبر، إلا أن الواقع الميداني يعكس استمراراً لعمليات "جيش العدو الإسرائيلي" ذات الطابع التدميري والهجومي.

  • العمليات الميدانية والقصف: شهدت مناطق مختلفة من القطاع قصفاً مدفعياً وجوياً مكثفاً. وتركز القصف المدفعي على حي "الشيخ ناصر" في خان يونس، وشرق حي الزيتون في غزة، وشارع الشيماء في بيت لاهيا. كما نفذ جيش العدو عمليات "نسف" ممنهجة للمباني السكنية والمربعات شرقي بيت لاهيا وشرقي مدينة غزة. وامتد القصف الجوي عبر الطائرات المسيرة والمقاتلة ليستهدف نقاطاً حيوية مثل مخيم النصيرات (استهداف الطابق العلوي من مدرسة إعدادية في شارع الفاروق)، ونقطة شرطة في شارع مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، وسوق فراس في مدينة غزة. كما شاركت زوارق العدو الحربية في إطلاق النار وقنابل الإنارة في بحر خان يونس ورفح وغزة.
  • الحصيلة البشرية والتراكمية: استمر تدفق الشهداء والجرحى إلى المستشفيات، حيث سُجل استشهاد عدد من المواطنين (منهم المواطن عاطف مرزوق حبيب في حي الشجاعية، وجمال يوسف أبو عون في دير البلح). وتشير الإحصاءات التراكمية الصادرة عن وزارة الصحة بغزة إلى أن إجمالي عدد الشهداء منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023 قد بلغ 72,938 شهيداً، فيما بلغ عدد الإصابات 172,919 إصابة. لافتةً إلى أن فترة ما بعد 11 أكتوبر (فترة وقف إطلاق النار المفترضة) لوحدها شهدت ارتقاء 929 شهيداً وإصابة 2,811 آخرين.
  • الوضع الإنساني: وصفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" ظروف الأطفال في غزة بالمأساوية؛ حيث يعاني الآلاف من سوء التغذية الحاد، وتراكم النفايات، وتدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، مما أدى لانتشار الأوبئة، في ظل قيود إسرائيلية صارمة تمنع إدخال المواد الإغاثية الأساسية.
  • الحراك السياسي والإداري: برز حراك سياسي موازٍ تمثّل في تلقي حركة حماس دعوة لزيارة القاهرة من أجل تجديد المفاوضات للدخول في "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار. وفي المقابل، أصدرت "اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة" بياناً أكدت فيه بسط صلاحياتها على كامل القطاع، نافيةً القبول بتقسيمه إلى مناطق شرقية وغربية، ومجددةً رفضها التعامل مع ما أسمته "المليشيات المسلحة" المتمركزة شرقي القطاع، داعيةً للضغط لإنفاذ المرحلة الثانية من الاتفاق.

2. الضفة الغربية: تصاعد إرهاب المستوطنين والاقتحامات المنظمة

تشهد الضفة الغربية تكاملاً واضحاً في الأدوار بين "جيش العدو الإسرائيلي" والمجموعات المسلحة من المستوطنين.

  • اعتداءات المستوطنين: شنّ المستوطنون هجمات عنيفة استهدفت مركبات المواطنين بين بلدتي عورتا وبيتا جنوب نابلس، وعربدوا في بلدة دير بلوط غرب سلفيت. وفي بلدة قصرة جنوب شرق نابلس، أسفر هجوم المستوطنين عن إصابة شاب بطعنة سكين، مما فجّر مواجهات عنيفة بين المواطنين العُزّل والمستوطنين. وفي مسافر يطا جنوب الخليل (منطقة الفرش وواد الرخيم)، قام المستوطنون بتخريب المحاصيل الزراعية والتنكيل بالمزارعين.
  • الاقتحامات والاعتقالات العسكرية: نفّذ جيش العدو سلسلة اقتحامات ليلية واسعة شملت جنين (حي الجابريات)، وطولكرم (بلدات علار، وبلعا، وصيدا، وعتيل)، ونابلس (مخيم عسكر الجديد وبلدة بيتا)، وأريحا (مخيم عقبة جبر)، وبيت لحم (بيت فجار)، وقلقيلية (جيوس وعزون)، بالإضافة إلى مخيمي العروب والفوار وقرية الريحية في الخليل. تخلل هذه الاقتحامات مداهمة المنازل، تحطيم الممتلكات، والاعتداء الجسدي (كالاعتداء على سائق تكسي في قرية خرسا)، وصدم مركبة فلسطينية بآلية عسكرية في بيتا. وأسفرت الحملة عن اعتقال عدد كبير من الشبان والنشطاء، من بينهم المحامي أحمد حسين في بلدة علار.

3. الجبهة اللبنانية: تجاوز الليطاني واشتعال المعارك العسكرية

تجاوزت الساحة اللبنانية مفهوم "الخروقات المحدودة" لوقف إطلاق النار لتتحول إلى مواجهة برية وجوية واسعة النطاق تشير إلى مساعٍ إسرائيلية لإعادة رسم الواقع الجغرافي.

  • توغل جيش العدو البري: أكدت التقارير (منها تقارير لفضائيتي الحدث والأناضول) أن قوات جيش العدو الإسرائيلية عبرت نهر الليطاني لأول مرة برياً، وتوغلت في مناطق جديدة منفذةً عمليات استطلاع وحصار، حيث تمركزت على مشارف مدينة النبطية، ووصلت إلى بلدتي "زوتر الشرقية" و"شكيف أرنون" شمال الليطاني. وأشارت المصادر العسكرية للعدو إلى أن الفرقة 36 (تضم ألوية مدرعة ومشاة) تتقدم نحو منطقة "مرتفعات علي طاهر" الاستراتيجية، وهي منطقة يرى أمن العجو أنها تحوي "كنزاً" لبنية تحتية ومنشآت أنشأها لواء "بدر" التابع لحزب الله تحت الأرض. كما نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات تفجير لبيوت في بلدة دبين بقضاء مرجعيون.
  • عمليات حزب الله والرد العسكري: خاض مقاتلو حزب الله معارك نارية عنيفة ومتواصلة ضد قوات جيش العدو المتوغلة في عدة قرى جنوبي لبنان. ونفذ الحزب كمائن نوعية باستخدام العبوات الناسفة والصواريخ ضد "قوة إسرائيلية" حاولت التقدم نحو "الغندورية"، مما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في صفوف جنود جيش العدو (أكدت وسائل إعلام عبرية إصابة قائد كتيبة وجندي بجراح خطيرة إثر انفجار مسيرة مفخخة، ومقتل جندي وإصابة 5 آخرين في أحداث منفصلة). وردّ الحزب بإطلاق رشقات صاروخية مكثفة ونوعية استهدفت مستوطنة "كريات شمونة" وقاعدة "ميرون" للمراقبة وإدارة العمليات الجوية، بجانب تسيير أسراب من الطائرات المسيرة الانقضاضية نحو الجليل الأعلى والغربي (مناطق شوميرا، المطلة، مسغاف عام، وعرب العرامشة).
  • استهداف الجيش اللبناني والمدنيين: شن طيران العدو غارات على بلدات كفرتبنيت، خربة سلم، مجدل سلم، كفررمان، ومشغرة في البقاع الغربي. واستهدفت "مسيرة إسرائيلية" سيارة تابعة للجيش اللبناني على طريق "عبا-النبطية"، مما أدى إلى إصابة عسكريين لبنانيين بجروح خطيرة. كما أصدر جيش العدو إنذارات إخلاء فورية لسكان عدة بلدات (المروانية، اللوبية، ميدون، أنصارية، زفتا، تفاحتا) طالباً منهم الانتقال فوراً إلى شمال نهر الزهراني.
  • "الداخل الإسرائيلي" والمسار السياسي: أدت الهجمات الصاروخية والمسيرات إلى حالة من الذعر والغضب في الشمال؛ حيث ألغى رئيس مستوطنة كريات شمونة الدراسة، وتلقت مستشفيات مدينة "نهاريا" أوامر بنقل المرضى إلى منشآت محصنة تحت الأرض. وشن رؤساء المستوطنات (مثل رئيس مجلس المطلة ديفيد أزولاي) هجوماً لاذعاً على حكومة نتنياهو متهمين إياها بالعجز واللامبالاة تجاه "واقع الفوضى". سياسياً، بحثت الرئاسة اللبنانية (عون) نتائج اجتماع واشنطن العسكري التنسيقي (اللبناني-الأمريكي-الإسرائيلي)، مؤكدةً التمسك بوقف إطلاق النار، والتحضير لجولة مفاوضات سياسية مطلع يونيو.

4. الملف الإيراني والأمريكي: ضبابية مذكرات التفاهم وتآكل الردع

يشير المقال التحليلي لصحيفة "هآرتس" إلى تعقيد حاد يواجه إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في الشرق الأوسط.

  • عقدة وحدة الساحات: تسببت استراتيجية "وحدة الساحات" التي أسستها طهران في جعل مهمة ترامب بالغة التعقيد، حيث يصب الحذر الأمريكي في مصلحة حزب الله.
  • اتفاقات ضبابية: تسربت أنباء عن توصل واشنطن وطهران إلى "مذكرة تفاهم" أولية بانتظار مصادقة "ترامب"، إلا أن تفاصيلها لا تزال غامضة وضبابية حول القضايا الجوهرية (مثل مصير اليورانيوم المخصب، والمقابل المالي والسياسي الذي ستحصل عليه إيران). ويُنظر إلى تبادل الضربات المحدودة بين الطرفين على أنه مرونة تكتيكية تهدف لإظهار الحزم العسكري دون تدمير المسار السياسي.
  • تآكل الردع العسكري: يرى المحللون أن الحشد العسكري الأمريكي الضخم في المنطقة (الأكبر في التاريخ) فشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية كإسقاط النظام الإيراني أو إحداث تحول جيوسياسي كبير. وبدلاً من ذلك، فرضت إيران سيطرتها على مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية أجبرت ترامب على التراجع عن أهداف الحرب الكبرى والاكتفاء بالسعي الدبلوماسي لتقليص الطموح النووي عبر وثائق تفاهم غير مضمونة.

5." الأزمة الداخلية الإسرائيلية" والتجاذبات السياسية

تتزامن هذه التطورات العسكرية مع مرور ثلاثين عاماً على صعود "بنيامين نتنياهو" إلى السلطة لأول مرة (29 مايو 1996)، وسط أزمة سياسية وتشريعية عميقة.

  • الابتزاز الحريدي وبند التجاوز: تقود الفصائل "الحريدية" (الدينية) ضغوطاً هائلة على "ائتلاف نتنياهو" لإعادة طرح "بند التجاوز/النقض" على جدول أعمال الكنيست وتشريعه فوراً. يأتي هذا المطلب لحماية "قانون الرعاية النهارية" (الذي يضمن تحويل آلاف الشواقل لعائلات الحريديين الذين لا يلتحقون بالخدمة العسكرية) من الإبطال القضائي بواسطة المحكمة العليا. ويحذر معارضو الحكومة من أن هذا الإصرار على التهرب من الخدمة العسكرية في وقت تخوض فيه الدولة حرباً استنزافية طويلة يعكس تقديم المصالح الائتلافية والشخصية لنتنياهو (للنجاة من المحاكمة ولجنة التحقيق الحكومية) على مصلحة الجيش و"الإسرائيليين".
  • الانقسام الاجتماعي والسياسي: يبرز الانقسام عبر مظاهر متعددة؛ منها الفيديو الانتخابي الهزلي الذي نشره "نتنياهو" (حول جندي من الوحدة 8200 يعترف لوالديه التل أبيبين بأنه يؤيد بيبي)، ومنها تنامي نشاط الحركات المعارضة والداعمة لصفقات الرهائن مقابل منتديات مدعومة حكومياً (مثل منتدى زفيكا مور) التي تروج ضد أي صفقة رهائن. وفي الساحة الدبلوماسية، هاجم "القنصل الإسرائيلي" في نيويورك عمدة المدينة "ممداني" واصفاً إياه بالغير مرغوب فيه بالمسيرة المؤيدة لـ "إسرائيل" بسبب مواقفه.

ثانياً: تقدير موقف (في نقاط مركّزة)

بناءً على المعطيات والبيانات السابقة، يمكن صياغة تقدير الموقف الحالي في النقاط الاستراتيجية والميدانية التالية:

  • 1. فشل الردع واستراتيجية التدحرج نحو حرب الشمال الكاملة: إن توغل قوات جيش العدو الإسرائيلية شمال نهر الليطاني واستهداف مشارف النبطية يعكس قراراً إسرائيلياً استراتيجياً بفرض واقع جغرافي جديد (حزام أمني أو شريط عازل) بالقوة. غير أن هذا التقدم يصطدم بمرونة تكتيكية دفاعية عالية لحزب الله (الكمائن الصاروخية والعبوات في الغندورية، واستهداف القادة ميدانياً)، مما يجعل كلفة التوغل البشري والعسكري لإسرائيل باهظة ويمنعها من تحويل الإنجازات التكتيكية إلى استقرار استراتيجي.
  • 2. تآكل "اتفاقات وقف إطلاق النار" الهشة: تثبت الإحصائيات (أكثر من 900 شهيد في غزة منذ أكتوبر) والوقائع الميدانية في لبنان وغزة أن "وقف إطلاق النار" تحول إلى غطاء سياسي ودبلوماسي للمناورات العسكرية واستكمال قضم الأراضي وتدمير البنى التحتية (عمليات النسف الممنهج). الأطراف تستخدم هذا الهامش لإظهار "الحزم العسكري" تكتيكياً دون الرغبة في إعلان الانهيار الكامل للمسار السياسي.
  • 3. معادلة "مضيق هرمز" والاضطرار الدبلوماسي الأمريكي: أثبتت الإدارة الأمريكية عجزها عن حسم الصراع عسكرياً أو إحداث "تغيير بنيوي" في النظام الإيراني. تحوّل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط إيرانية خانقة جعلت التهديد العسكري الأمريكي بـ "التدمير" مجرد أداة لتحسين شروط التفاوض، والقبول بـ "مذكرات تفاهم" ضبابية تحافظ على الوضع الراهن وتمنع الانفجار الشامل الذي قد تدفع إسرائيل ثمنه.
  • 4. مأزق الجبهة الداخلية والجيش في "إسرائيل": تواجه "إسرائيل" معضلة بنيوية خطيرة؛ فالجيش يستنزف بشرياً ومادياً على عدة جبهات (عمليات برية في لبنان، سيطرة وقضم في غزة، اقتحامات يومية في الضفة). هذا الاستنزاف يقابله تمزق سياسي واجتماعي داخلي تقوده الفصائل الحريدية عبر الإصرار على "بند التجاوز" للتهرب من الخدمة العسكرية. هذا التناقض يدفع المستوطنين في الشمال والوسط إلى فقدان الثقة التامة في القيادة السياسية التي يُنظر إليها على أنها تضحي بالجيش والأمن من أجل بقاء "نتنياهو" السياسي والائتلافي وتجنب لجان التحقيق.
  • 5. الانفجار الإنساني الممنهج في غزة كأداة ضغط: تعتمد "إسرائيل" على تعميق الكارثة الإنسانية في قطاع غزة (سياسة التجويع، منع المساعدات عبر اليونيسف، نشر الأوبئة، تدمير الصرف الصحي) كاستراتيجية بديلة للتعويض عن عدم القدرة على فرض حل سياسي نهائي ينهي وجود حركة حماس أو ينزع سلاحها.

ثالثاً: خلاصة تحليلية شاملة

تُظهر قراءة الأحداث ليوم 31 مايو 2026 أن منطقة الشرق الأوسط تعيش حالة من "الحرب المستمرة بآليات منضبطة تكتيكياً ومفتوحة استراتيجياً".

فمن جهة، لم تعد خطوط الحمر الجغرافية السابقة قائمة؛ إذ إن تجاوز "إسرائيل" لنهر الليطاني وتمركزها على مشارف النبطية يمثل قفزة عسكرية كبيرة تهدف إلى تفكيك بنية حزب الله التحتية (خاصة لواء بدر تحت الأرض) وإجبار الدولة اللبنانية على تقديم تنازلات سياسية في المفاوضات المقبلة. ومع ذلك، فإن هذه "القوة العسكرية الإسرائيلية" الغاشمة لم تترجم إلى "ردع حاسم"؛ فلا تزال مستوطنات الشمال تحت رحمة الصواريخ والمسيرات الانقضاضية، ولا يزال جيش العدو يتكبد خسائر نوعية في صفوف ضباطه وجنوده جراء كمائن المقاومة اللبنانية الممنهجة.

وفي قطاع غزة، يكشف التعارض الصارخ بين الحديث عن "اتفاق وقف إطلاق النار" وبين الإحصائيات المهولة للشهداء وعمليات النسف والتدمير اليومية، عن استراتيجية إسرائيلية تقوم على "القضم التدريجي والسيطرة المكانية المطلقة"، مع محاولة خنق الحاضنة الشعبية إنسانياً وصحياً. هذا التدمير يقابله جمود سياسي ناتج عن رفض المقاومة (حماس) شروط نزع السلاح، وفشل الهياكل الإدارية البديلة (مثل مجلس السلام أو محاولات تقسيم القطاع) في تأمين تمويل أو فرض شرعية ميدانية، مما يعيد الملف دائماً إلى طاولة المفاوضات (دعوة القاهرة) كحاجة لا غنى عنها للأطراف لالتقاط الأنفاس والمناورة للمراحل القادمة.

إقليمياً ودولياً، تراجعت الطموحات الأمريكية الكبرى التي بشرت بها "إدارة ترامب" لإعادة تشكيل المنطقة أو إسقاط النظام الإيراني. فقد أثبتت طهران نجاح استراتيجية "وحدة الساحات والضغط البحري" (عبر مضيق هرمز)، مما أجبر واشنطن على الدخول في مسارات دبلوماسية ضبابية تعتمد على "مذكرات تفاهم" هشة بدلاً من الحسم العسكري. هذا التراجع الأمريكي يترك "إسرائيل" وحيدة في مواجهة حرب استنزاف طويلة الأمد لا تملك لها القيادة السياسية أي "استراتيجية خروج" واضحة.

أخيراً، يكمن التهديد الأكبر لوجود الكيان الإسرائيلي في التآكل البنيوي الداخلي؛ فالشرخ بين المستوى العسكري (الذي يقاتل ويستنزف ويُقتل على الجبهات) والمستوى السياسي الائتلافي (الذي يسعى لتشريع قوانين تهرب الحريديين من الخدمة العسكرية وفرض بند التجاوز لإضعاف القضاء وحماية نتنياهو) وصل إلى مرحلة غير مسبوقة من الغضب الجماهيري والمؤسسي. إن دولة تخوض معارك مصيرية برية وجوية في غزة والضفة ولبنان، بينما تبحث نخبها الحاكمة عن التهرب من المسؤولية والتحقيق، هي دولة تعيش أزمة وجودية حقيقية؛ حيث أصبحت "المعركة من أجل البقاء في السلطة" لدى قيادتها مقدمة على معركة "الأمن القومي"، مما يجعل المشهد بأكمله مفتوحاً على احتمالات الانفجار الداخلي أو التدحرج نحو حرب إقليمية شاملة لا يمكن ضبط حدودها