ترجمة الهدهد

إن الخبرة الممتدة لـ 44 عاماً من القتال في لبنان تُثبت أن تكرار ذات الأساليب العسكرية التقليدية لن يحل مشكلة الشمال؛ فقتل المئات من عناصر حزب الله، وهدم الأبراج الشاهقة بالضاحية الجنوبية والتي يُطلق عليها اسم "مباني الطاقة"، وتدمير عشرات القرى في الجنوب والبقاع، لن يضع حداً للتهديد، هذا ما أكده المحلل العسكري "رون بن يشاي" في مقال له بصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية.

واعترف الكاتب بتآكل قوة الردع التي حققها سلاح جو الجو والاستخبارات في صيف عام 2024 ضمن عملية "السهام الشمالية" واغتيال "حسن نصر الله"، مشيراً بألم إلى نجاح الحزب في النهوض مجدداً مع حلول شتاء عام 2026، مستخدماً طائرات مسيرة رخيصة موجهة بـ "الألياف الضوئية" لبث شعور عارم بالعجز في "نفوس الإسرائيليين"، ومواصلة استهداف الجنود والمزارعين في مستوطنة المطلة.

وأشار "بن يشاي" إلى أن جذور قوة المقاومة تتجاوز البعد العسكري لتشمل الدعم العقائدي الإيراني، والاحتضان الكامل من الطائفة الشيعية التي باتت الأكبر في لبنان بعد عقود من الحرمان وشعورها بفخر القوة جراء حماية الحزب للدولة في "مواجهة إسرائيل"؛ ناهيك عن شبكة الأمان الاقتصادي والمساعدات التي قدمتها طهران والبالغة "مليار دولار سنوياً"، والتي سدت الفراغ الاقتصادي عقب تضرر زراعة القنب وتجارة المخدرات في البقاع جراء الحرب السورية.

ورغم الضائقة الحالية المتمثلة في وجود مئات آلاف اللاجئين الشيعة بلا مأوى، وفقدان الأمين العام "نعيم قاسم" للسيطرة لصالح رئيس البرلمان "نبيه بري" كزعيم فعلي للطائفة، إلا أن الحزب يتبنى بالتنسيق مع الإيرانيين استراتيجية "التماسك" والصمود لتطبيق حيلة "الفوز بعدم الخسارة" أسوة بحركة حماس.

وفي مواجهة هذا الواقع، استعرض المحلل مسارين استراتيجيين لإزالة التهديد؛ الأول هو الخيار العسكري المتمثل في "احتلال لبنان وحصار بيروت" لتجريد الحزب من سلاحه، وهو خيار ينطوي على عيوب قاتلة لكون جيش الاحتلال منهكاً ويواجه نقصاً حاداً في الكوادر البرية وصيانة المنصات بعد عامين من القتال، فضلاً عن خطورة البقاء كحامية عسكرية لستة أشهر، وتزايد العزلة الدولية والضغوط المتوقعة من قِبل "دونالد ترامب" والأوروبيين.

أما المسار الثاني والبديل، فهو تبني استراتيجية متعددة القنوات تبدأ بضغط عسكري خاطف وسريع يُبقي الحزب بعيداً عن الحدود، معتبراً أن "وقف إطلاق النار" المرتقب باتفاق "ترامب" والإيرانيين قد يخدم "إسرائيل" لمنح المؤسسة الدفاعية الوقت الكافي لتطوير منظومات قادرة على مجابهة "أسراب الطائرات بدون طيار".

وتشمل الخطة المقترحة قناة سياسية ترتكز على إطلاق مفاوضات سريعة بين حكومة العدو وحكومة الرئيس اللبناني "جوزيف عون" لسحب الشرعية القانونية من الحزب كحامٍ للبلاد، والوصول لآلية تضمن منع أي تهديد مقابل إعادة الأراضي التي يسيطر عليها جيش العدو حالياً مع تعديلات طفيفة على الحدود.

وتتكامل هذه الرؤية مع قناة اقتصادية تضمن تدشين صناديق تمويل دولية وعربية بمشاركة السعودية، وقطر، والولايات المتحدة، وفرنسا، والإمارات، تهدف لإعادة إعمار لبنان مقابل تفكيك حزب الله، وتجهيز وحدات خاصة في الجيش اللبناني من "مقاتلين غير شيعة" لعزل الحزب، بالتوازي مع قطع خطوط الإمداد المالي والعسكري عبر التنسيق مع "الحاكم الجديد في سوريا".

واختتم "رون بن يشاي" تحليله بالتساؤل عما إذا كانت "الحكومة الإسرائيلية" الحالية بقيادة "بنيامين نتنياهو" تملك القدرة السياسية والشجاعة لتبني هذه الخطوة متعددة المسارات، وإشراك الرئيس "ترامب" فيها، وعقد صفقة حقيقية مع "عون" تتضمن التنازل عن مناطق في لبنان يرى "الأمن الإسرائيلي" شكوكاً كبيرة في جدواها الاستراتيجية.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "رون بن يشاي"