ترجمة الهدهد

كسر عمدة مدينة نيويورك "زوهار مامداني" تقليداً سياسياً راسخاً وممتداً منذ عقود، ليصبح أول رئيس بلدية يتغيب عن العرض السنوي الذي يُقام تكريماً لـ "إسرائيل" في الجادة الخامسة بـ "مانهاتن"، وذلك على خلفية مواقفه المعلنة الداعمة للحقوق الفلسطينية؛ فرغم أن هذه المسيرة التاريخية الممتدة لـ 61 عاماً تُعد حدثاً إلزامياً لسياسيي نيويورك الساعين لكسب تعاطف الناخبين، إلا أن "مامداني" اختار مخالفة التيار مؤكداً التزامه بما صرح به خلال حملته الانتخابية من مقاطعة للعرض احتجاجاً على سياسات "حكومة العدو الإسرائيلية"، مع تعهده بتوفير تأمين مكثف لضمان سلامة الفعالية.

وفي مقابل غياب العمدة، شهدت المسيرة انقساماً لافتاً داخل إدارة المدينة؛ إذ أعلنت مفوضة شرطة نيويورك "جيسيكا تيش" –وهي يهودية– مشاركتها الفخورة في العرض جنباً إلى جنب مع آلاف السائرين الذين رفعوا "الأعلام الإسرائيلية" والبالونات الزرقاء والبيضاء، بمشاركة وفد رسمي كبير من كنيست العدو يتقدمه رئيسه "أمير أوحانا" ووزير مالية العدو المتطرف "بتسلئيل سموتريتش".

كما شارك في المسيرة قيادات ديمقراطية بارزة مثل زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ "تشاك شومر"، وحاكمة ولاية نيويورك "كاثي هوكلي"، والمدعية العامة للولاية "ليتيتيا جيمس"، ومراقب المدينة "مارك ليفين".

وعلى وقع موسيقى البوب "الإسرائيلية" وعروض منظمات مثل "الصندوق القومي الإسرائيلي"، شهد مسار العرض وقفات احتجاجية نظمها نحو 25 متظاهراً من منظمتي "إسرائيليون من أجل السلام" و"أصدقاء التضامن"، حيث اتهم المحتجون "الوفد الإسرائيلي" بممارسة "دعاية جوفاء" وصنع شعور زائف بالنصر في وقت لا يزال فيه قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان تحت القصف، مؤكدين أن "القيادة الإسرائيلية" كان ينبغي أن تكون في حالة حداد عوضاً عن الانخراط في عروض دعائية بينما يهرب "الإسرائيليون" للملاجئ منذ ثلاث سنوات.

وأثار موقف العمدة غضباً عارماً لدى الأوساط اليهودية المؤيدة لـ "إسرائيل"، واعتبره معارضوه ذخيرة جديدة لاتهامه بـ "معاداة السامية"؛ حيث وصف الحاخام "مارك شناير"، رئيس "مؤسسة التفاهم بين الأديان"، قرار "مامداني" بأنه "صفعة في وجه جميع يهود نيويورك"، موجهاً حديثه للعمدة بالقول: "ابق في منزلك، لسنا بحاجة إليك"، كما هاجم الحاخام وقادة يهود آخرون مقطع الفيديو الذي نشره مكتب العمدة قبل أسبوعين للاحتفال بذكرى "النكبة الفلسطينية"، واصفين إياه بـ "الدعاية المغرضة" لتجاهله السياق التاريخي لتهجير اليهود والمحرقة "الهولوكوست".

وكان مقطع الفيديو المذكور قد شكل أول اعتراف رسمي بالنكبة من قِبل عمدة نيويورك، وتضمن قصة مسجلة للمواطنة "إينا بوشناك" التي هُجّرت من منزلها في سن التاسعة، معبرة فيه عن حنينها الدائم وتغريبها المستمر عن "تلال فلسطين الناعمة"، وهو ما اعتبره مؤيدو "إسرائيل" انحيازاً كاملاً للرواية الفلسطينية وإغفالاً للتاريخ اليهودي في المنطقة والبلدان المسلمة.

ويأتي هذا التحول التاريخي ليعكس تراجعاً ملحوظاً في الدعم المطلق لـ "إسرائيل" بين الأمريكيين في السنوات الأخيرة، وهو الاتجاه الذي تسارع عقب الغضب الدولي من الحرب المستمرة في غزة عقب هجوم 7 أكتوبر 2023.

ورغم الضغوط، يصر "زوهار مامداني" –أول رئيس بلدية مسلم لنيويورك– على موقفه الثابت في دعم الفلسطينيين واتهام "إسرائيل" بارتكاب "إبادة جماعية في غزة"، مؤكداً في الوقت ذاته إدانته لهجوم حركة حماس باعتباره "جريمة حرب مروعة"، مع تجديد التزامه المطلق بحماية يهود نيويورك عبر "مكتب مكافحة معاداة السامية" ودعم المساواة الكاملة في الحقوق بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين.

المصدر: صحيفة "هآرتس"