ترجمة الهدهد

يعيش مليون "إسرائيلي" في الشمال وضعاً "لا يُطاق" تحت تهديد حقيقي ومستمر؛ بسبب اندفاع "الدولة" نحو تحرك عسكري مُدبّر دون ضمان سلامتهم مسبقاً، في وقت يعجز فيه التوغل البري بجنوب لبنان عن تخفيف مستوى الخطر أو القلق قيد أنملة.

وبدلاً من مواجهة تبعات هذا الإخفاق العسكري، تلجأ الحكومة والمعارضة على حد سواء إلى ترويج "قصص انتصار" وهمية، وسط إجماع سياسي وإعلامي أعمى يطالب برؤية "بيروت تحترق" استجابة لعقيدة الحروب التقليدية القائلة بأن "ما لا يُجدي بالقوة يُجدي بقوة أكبر"، وهو ذات الوهم الذي تطلب استيعابه في الماضي 18 عاماً دموية وعبثية داخل المستنقع اللبناني.

وينطلق هذا الحماس الوطني المفرط من حسابات انتخابية ضيقة وخوف من اتهامات "الخيانة واليسارية"، حيث يتنافس قادة المعارضة مثل "بنيت" و"آيزنكوت" مع رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" ووزير جيشه "إسرائيل كاتس" في المطالبة بمنح الجيش حرية التصرف للتقدم شمالاً.

ويتجاهل هؤلاء القادة أن الجيش جُرّ إلى معارك نهر الليطاني وقلعة الشقيف بضغط شعبي ونتيجة العجز عن التعامل مع معضلة الطائرات المسيّرة، دون إدراك أن الاستيلاء على أراضٍ إضافية لن يحل المشكلة، بل سيؤدي إلى استنزاف طويل الأمد وخسائر فادحة لجنود الاحتياط الذين بلغوا مرحلة الإنهاك والتآكل.

أما التسويق لـ "قلعة الشقيف" أو حصن "البوفورت" كإنجاز عسكري عظيم، فهو ينتمي إلى عالم الدعاية والرموز التاريخية لا إلى الواقع العملي لعالم الحروب في عام 2026؛ فالسلسلة الجبلية التي كانت تُطل على مستوطنات "إصبع الجليل" عام 1982 فقدت أهميتها الاستراتيجية اليوم، إذ تعبر الطائرات المسيّرة الحديثة بمختلف أنواعها نحو أهدافها بدقة دون الحاجة إلى مراقبين على قمم الجبال، مما يجعل الاحتفاظ بهذه الأراضي كورقة ضغط في المفاوضات- كما يزعم "بينيت"- وهماً يصطدم بعقدة "الحكومات الإسرائيلية" المتعاقبة التي تعجز تاريخياً عن التنازل والانسحاب من الأراضي المحتلة.

وتعيد هذه المشاهد للأذهان الإرث التاريخي المأساوي للمعارك السابقة؛ ففي عام 1982 تحول الاستيلاء على ذات القلعة إلى "مهزلة" تلت "المأساة" بعد زيارة رئيس الوزراء الأسبق "مناحيم بيغن" وسؤاله الساخر للجنود: "هل كان لديهم رشاشات؟".

واليوم، يستعد "نتنياهو" و"كاتس" لالتقاط صور مشابهة هناك محاطين بشبكات مضادة للمسيّرات، في تكرار حرفي للمشهد الكوميدي الشهير من فيلم "جفعات حلفون لا تجيب"، عندما سُئل أحد الأبطال عما سيفعلونه إذا هاجم العدو، فأجاب بنمطية: "سنفعل ما فعلناه في الحروب السابقة"، مما يثبت أن عقلية "القيادة الإسرائيلية" لم تتغير منذ 30 عاماً، وأن الجيش بات عاجزاً عن مصارحة المستوى السياسي بـ "تآكل قدراته" خوفاً من حملات التحريض والتشهير الشرسة على الإنترنت.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "ناحوم برنيع"