ترجمة الهدهد

إن تسارع الأحداث وكثرة التضليل الإعلامي غالباً ما يجعل الفرد عاجزاً عن رسم صورة واضحة للمشهد؛ ولذلك بات من الضروري العودة إلى التسلسل الزمني للأحداث كما وقعت بالفعل.

ففي صباح أول أمس الاثنين، أعلن رئيس الوزراء "نتنياهو" ووزير الجيش "كاتس" أنهما أصدرا تعليمات لـ "الجيش الإسرائيلي" بمهاجمة بيروت، رداً على توسيع حزب الله لنطاق إطلاق النار (والذي كان بدوره رداً على توسيع الجيش الإسرائيلي لنشاطه في جنوب لبنان، مع التركيز على احتلال "قلعة الشقيف").

بعد ساعات قليلة، أجرى "نتنياهو" اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأمريكي "ترامب"، الذي أمره صراحةً بعدم مهاجمة بيروت. وكانت التصريحات التي سُرّبت عن هذه المحادثة مذهلة حقاً، حيث نُشرت من بين منصات أخرى على قناة "فوكس نيوز" -المنصة الإعلامية المفضلة لـ"ترامب" (و"نتنياهو")- إذ قال له "ترامب": "أنت مجنون تماماً، لولاي لكنت في السجن الآن، أنا من ينقذك. الجميع يكرهك، والكل بات يكره إسرائيل بسبب هذا السلوك".

وفي الواقع، لم تشن "إسرائيل" حتى هذه اللحظة أي هجوم على بيروت. ورغم ذلك، ادعى "نتنياهو" و"كاتس" أنهما حصلا على ضوء أخضر من "ترامب" لمهاجمة العاصمة اللبنانية إذا انتهك "حزب الله" وقف إطلاق النار واستهدف الأراضي الإسرائيلية؛ في محاولة منهما للإيحاء بأنهما تمكنا -عبر التهديد بالوعيد- من كبح جماح "حزب الله" وإعادة الهدوء إلى مستوطنات الشمال.

بيد أن هذه الادعاءات تظل حقيقة جزئية في أحسن الأحوال؛ أولاً: لأن "نتنياهو" و"كاتس" حاولا نسب الفضل لنفسيهما في أمر لم يحدث بعد، مما دفع الأهداف القيادية إلى الفرار من بيروت، وأحبط في نهاية المطاف الهجوم الذي أمرا به.

ثانياً: لأن من كبح الهجوم فعلياً كان "ترامب" بأمر غاضب جرد "إسرائيل" مما تبقى لها من استقلالية في اتخاذ القرار.

ثالثاً: لأن وقف إطلاق النار غير قائم على أرض الواقع؛ فحزب الله يواصل استهداف مواضع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وحينما يقرر، سيمتد هجومه جنوباً أيضاً، في وقت ستكون فيه إسرائيل بحاجة إلى موافقة البيت الأبيض للرد.

لم يكن أمام "نتنياهو" خيار سوى الانصياع لـ"ترامب"؛ إذ وضع "إسرائيل" -ونفسه شخصياً- في موقف مرتهن تماماً للإدارة الأمريكية في أكثر الملفات حساسية. فإسرائيل اليوم تعيش عزلة دولية، ومحرومة من الشرعية، ومكروهة أكثر من أي وقت مضى، وأصبحت كل مفاصلها السياسية، والأمنية، والاقتصادية بيد البيت الأبيض.

ولم يقتصر الأمر على مفاصل الدولة فحسب، بل امتد ليشمل مصير "نتنياهو" الشخصي كمتهم في محاكمة جنائية، حيث قال له "ترامب" باختصار: "أنا أساعدك في محاكمتك، فإياك أن تعصي أوامري في لبنان".

وهنا يجدر بنا تذكير "نتنياهو" بالتصريح الذي أدلى به بنفسه حينما كان زعيماً للمعارضة، بحق رئيس الوزراء الأسبق "إيهود أولمرت" عندما كان قيد التحقيق الجنائي، حيث قال آنذاك: "إن رئيس الوزراء الغارق في التحقيقات لا يملك تفويضاً أخلاقياً أو شعبياً لاتخاذ قرارات مصيرية لدولة إسرائيل؛ فهناك مخاوف حقيقية ولا لبس فيها من أن يتخذ قراراته بناءً على مصلحته الشخصية وبقائه السياسي، لا على أساس المصلحة الوطنية".

إن الربط المباشر الذي أجراه "ترامب" بين مصير "نتنياهو" القضائي ("لولاي لكنت في السجن") ومطالبته "إسرائيل" بعدم مهاجمة بيروت -خلافاً لمصلحتها الاستراتيجية الواضحة- يثبت أن "نتنياهو" (المعارض) كان محقاً في تشخيصه القديم؛ فمزج المصالح الوطنية بالاعتبارات الشخصية أمر بالغ الخطورة، ويُلقي بظلاله على صناعة القرار لأسباب خاطئة، لا سيما عشية الانتخابات.

عملياً، أنقذ "نتنياهو" "حزب الله"؛ فالحزب الذي كان يمر بمأزق خانق، استنجد بـ"طهران" التي قدمت له طوق النجاة عبر إنذار أعاد ربط الساحة اللبنانية بإيران مجدداً. وفي المقابل، فإن "ترامب" -الذي يطمح سراً إلى تحقيق تهدئة شاملة قبيل انطلاق بطولة "كأس العالم"- سارع إلى كبح جماح إسرائيل، مثيراً التساؤلات من جديد حول مدى جديته في مواجهة النظام الايراني، الذي يبدو اليوم أكثر جرأة وثقة بالنفس من أي وقت مضى.

ورغم أن "نتنياهو" صرّح أمس في حفل تنصيب رئيس "الموساد" الجديد بأن نهاية النظام الإيراني باتت قريبة، إلا أن الواقع يشي بأنها مجرد أمنيات؛ فإيران اليوم أقوى مما كانت عليه عشية إطلاق عملية "زئير الأسد"، بينما يبدو خصومها أقل قوة.

وبالعودة إلى الملف اللبناني، فكل ما يمكننا أملُه هو أن ينعم الشمال بفترة هدوء مؤقتة، رغم أن هذا لن يحل الجذور العميقة للأزمة. ولا يوجد ما يمنع "نتنياهو" حالياً من منح سكان الشمال إعفاءات ضريبية وأولويات تنموية في مختلف المجالات؛ فلم يتبقَ شيء من سلسلة الوعود البراقة التي أُطلقت في اجتماع الحكومة الاحتفالي بمدينة "كريات شمونة" في الأول من فبراير. وهنا لا يمكن إلقاء اللوم على "ترامب"؛ فالمسؤولية الكاملة عن انهيار الأمن المدني في الشمال وغياب الحماية تقع برمتها على عاتق "الحكومة الإسرائيلية" ورئيسها.

كان حريّاً بـ "إسرائيل" أن تهاجم بيروت أمس، وتخاطر بمواجهة "ترامب" بعد تدمير معاقل حزب الله وإعادة فرض معادلة الضغط على لبنان؛ إذ كان من شأن خطوة كهذه أن تدفع الحكومة اللبنانية للمضي قدماً في محادثات "واشنطن" الجارية حالياً للتوصل إلى اتفاق بين البلدين.

وبدلاً من ذلك، رضخت "إسرائيل" للأمر الواقع وتراجعت، ليظل ملف لبنان وحزب الله مأزقاً يلاحقنا في المستقبل، بعد أن قوض السلوك الفاشل في اليومين الماضيين قدرتنا على فرض الحلول.

المصدر: "إسرائيل هيوم"/ "يواف ليمور"