ترجمة الهدهد

أعلن الأربعاء الماضي عن اتفاق تاريخي برعاية أمريكية بين كيان العدو ولبنان لإنشاء "مناطق أمنية تجريبية" في جنوب لبنان تكون خالية من عناصر حزب الله وتخضع لإدارة الجيش اللبناني، وسط ردود فعل "إسرائيلية" تباينت بين الشك والأمل الحذر.

ويرى مراقبون في كيان العدو أن هذا الترتيب قد يؤول إلى صيغة استقرار مؤقتة من نوع "لا حرب ولا سلام"، على غرار الإطار الذي ينظم الوضع الحالي في قطاع غزة، تزامناً مع أنباء عن وصول قائد الجيش اللبناني إلى باكستان للقاء رئيس أركان الجيش الباكستاني "عاصم منير" المقرب من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

وعلى الرغم من إشادة مصادر عسكرية ودبلوماسية في موقع "المونيتور" بالمحادثات المباشرة بين البلدين كحدث غير مسبوق، إلا أن الشكوك تحيط بإمكانية التوصل إلى سلام شامل قريباً؛ حيث تشير التقديرات إلى أن "ترامب" يصر على مواصلة إدارة العملية للحفاظ على هدوء الجبهة اللبنانية حتى يتمكن من إنهاء حملته الأوسع ضد إيران وتأمين مضيق هرمز، في حين يرى المتشائمون أن هذه اللقاءات ستستمر فقط حتى يفجرها حزب الله الذي يرفض أي اتفاق مع إسرائيل ويطالب بانسحاب كامل.

جاء هذا الاتفاق بعد أربع جولات من المفاوضات المباشرة في واشنطن بين السفير اللبناني وسفير كيان العدو، وهي خطوة تمنع رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" من تجاهلها عقب ضغوط شديدة مارسها عليه الرئيس "دونالد ترامب" في أوائل أبريل الماضي.

وفي سياق كشف الكواليس، اعترف "ترامب" بتوبيخ "نتنياهو" بحدة واستخدام ألفاظ نابية واصفاً إياه بـ "المجنون" لمطالبته بالتراجع عن خطط مهاجمة مقر حزب الله في بيروت، مما أثار موجة انتقادات داخلية واسعة من زعيم المعارضة "يائير لابيد" الذي اتهم رئيس وزراء العدو بالخضوع التام وتحويل الكيان إلى "دولة محمية".

وتضع هذه التطورات "نتنياهو" في موقف سياسي ضعيف أمام وزراء حكومته المتطرفة وقاعدته الشعبية الذين يرفضون أي وقف لإطلاق النار تفرضه واشنطن ويطالبون باستمرار الهجمات، على الرغم من أن المؤسسة الأمنية للعدو هي من ضغطت على "نتنياهو" ووزير جيشه "يسرائيل كاتس" للتفاوض بغية استغلال التواجد العسكري لتحقيق شروط تفاوضية مواتية إثر تحليلات الكاتب "بن كاسبيت".

ميدانياً، تسيطر قوات جيش العدو حالياً على منطقة عازلة تُعرف باسم "الخط الأصفر" تمتد نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية لحماية البلدات الشمالية، إلا أن العمليات العسكرية توغلت إلى مسافات أبعد عابرة نهر "الليطاني" حتى فرضت السيطرة على "قلعة الشقيف" الاستراتيجية المطلة على أجزاء واسعة من جنوب لبنان ومنطقة "الأنباط". ورغم رغبة "نتنياهو" و"كاتس" في مواصلة الضغط العسكري، وضع "ترامب" حداً لهذا النهج عبر ربطه الملفين اللبناني والإيراني ببعضهما.

ويشبه هذا التصور الدبلوماسي ما يجري في غزة؛ حيث لا وجود لسلام حقيقي، لكن تم بناء آلية تجعل العودة إلى الحرب الشاملة أمراً صعباً، وتراهن واشنطن على أن "المناطق التجريبية" ستسهم في إبعاد حزب الله عن الحدود وتمنح الإدارة الأمريكية الوقت الكافي لإبرام اتفاق شامل مع طهران، على الرغم من مخاوف المتشائمين من عودة الصراع إلى طبيعته بمجرد انتهاء المصالح الأمريكية.

وتثبت المعطيات الأخيرة هشاشة هذا الواقع؛ فبعد ساعات قليلة من إعلان "ترامب" عن الاتفاق، أسفر هجوم صاروخي مضاد للدبابات شنه حزب الله عن مقتل ضابط إسرائيلي شمال نهر الليطاني، ورفع هذا الهجوم الحصيلة الإجمالية لقتلى "العدو الإسرائيلي" منذ إعلان وقف إطلاق النار الأولي في 17 أبريل إلى 15 قتيلاً، حيث استهدف جيش العدو أهداف قال انها تابعة للحزب في المنطقة، ليظل الوضع معلقاً بين دبلماسية قسرية وميدان قابل للاشتعال.

المصدر: صحيفة "معاريف"