ترجمة: الهدهد
معاريف
إيلي ليون


بالنسبة لرئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، مثّل استئناف المواجهة المباشرة مع إيران في البداية مكاسب سياسية واضحة وقصيرة الأجل. إلا أن قراءة متأنية لتحليلات وسائل الإعلام العالمية تكشف عن صورة أكثر تعقيدًا وقتامة لزعيم إسرائيلي غارق حتى النخاع في دوامة من الاستراتيجيات الخاطئة، ومواجهة غير مسبوقة مع البيت الأبيض، وتدهور في الوضع الأمني على جميع الجبهات.

 ووفقًا لمقالات معمقة نُشرت اليوم في صحيفتي نيويورك تايمز وفايننشال تايمز، فإن حلم نتنياهو الذي راوده لثلاثة عقود بشن حرب شاملة ضد إيران، والذي بدأ يتحقق في أواخر فبراير، يتحول أمام عينيه إلى كابوس سياسي واستراتيجي وعسكري.

المواجهة المباشرة مع ترامب
يتمثل التحدي الأبرز والأكثر إلحاحًا الذي يواجه نتنياهو اليوم في إدارة الأزمة المتصاعدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب . وتشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أن نتنياهو يستغل هذه المواجهة مع الرئيس الأمريكي ليُظهر لقاعدته الانتخابية اليمينية المتشددة قدرته على الدفاع عن نفسه.

وقد برز هذا الأمر بشكل خاص بعد أن انتقد ترامب "إسرائيل" بشدة لقصفها ضواحي بيروت، وطالبها بضبط النفس في مواجهة وابل الصواريخ الإيرانية.
 

بلغ الإذلال العلني ذروته مؤخرًا، عندما أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحةً أنه وصف نتنياهو بـ"المجنون" في مكالمة هاتفية مليئة بالشتائم. وتزيد صحيفة "فايننشال تايمز" الطين بلة، مُبرزةً التفاوت الصارخ في العلاقات بين البلدين: فبينما يُشيد كبار السياسيين في القدس بالسيادة والاستقلال الأمني، تبقى "إسرائيل" مُعتمدة كليًا على المظلة الأمريكية للدفاع الجوي وإمدادات الأسلحة. ولم يترك ترامب نفسه مجالًا للشك في مقابلةٍ له، حين أوضح قائلًا: "أنا من يضع القواعد، وليس هو".


الفخ في لبنان وخطر الاتفاق
إن المعضلة التي تواجهها "إسرائيل" اليوم أشدّ وطأةً من أي وقت مضى. يحذر داني سيترينوفيتش، الضابط السابق في جهاز المخابرات الإسرائيلي، والذي نُقلت عنه تصريحات في صحيفة نيويورك تايمز، من أن "إسرائيل" لا تملك خيارات جيدة. فإذا سمح ترامب للكيان بالتصعيد، فمن المتوقع أن توسّع إيران ردّها عبر الحوثيين في اليمن، الذين يهددون الملاحة في البحر الأحمر، وربما عبر الفصائل الشيعية في العراق.

 

من جهة أخرى، إذا أجبر ترامب "إسرائيل" على الاحتفاظ بأسلحتها، فقد يؤدي ذلك إلى معادلة استراتيجية جديدة وخطيرة تربط فيها إيران بشكل مباشر بين الهجمات الإسرائيلية في لبنان والهجمات الصاروخية على الجبهة الداخلية للكيان.

 كما يشعر نتنياهو بقلق بالغ إزاء اتفاق السلام الذي تروج له الولايات المتحدة مع طهران، وهو اتفاق قد يُبقي للجمهورية الإسلامية قدرات نووية متبقية وقوة مالية متجددة، لا سيما في ضوء استعراض إيران للقوة بإغلاق مضيق هرمز.


فشل المفهوم العسكري
بعيدًا عن الأزمة الدبلوماسية، يشير معلقو صحيفة فايننشال تايمز إلى فشل استراتيجي أعمق وأكثر جوهرية. فبعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا تزال دولة الكيان غارقة في مستنقع لبنان وغزة، وقد تلاشت شرعيتها الدولية، حيث تنظر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في التهم الموجهة إليها.

ورغم خطابات نتنياهو الاحتفالية في الأمم المتحدة، التي تفاخر فيها بأن "إسرائيل" "سحقت" حماس و"شلّت" قدرات حزب الله، فإن الواقع على الأرض يفضح زيف ادعاءاته.


إذ لا تزال حماس حاضرة وذات نفوذ في قطاع غزة، ويشن حزب الله حرب استنزاف يومية ضد "الجيش الإسرائيلي" في لبنان مستخدماً أسراباً من الطائرات المسيّرة، أما النظام في طهران فهو أكثر استقراراً من أي وقت مضى.

يكمن خطأ نتنياهو الرئيسي في اعتماده حصراً على القوة العسكرية، متجاهلاً بشكل صارخ الأبعاد السياسية والدبلوماسية. وكما يشير المعلقون، "لا يمكن تحقيق الأمن بالقوة" - إذ إن القضاء على قادة بعينهم في بيروت أو طهران لا يؤدي إلا إلى ظهور جيل جديد من المقاتلين المعادين.


الوقت السياسي ينفد
يبدو أن استراتيجية نتنياهو الكبرى - المصممة أساسًا لضمان إرثه وبقائه السياسي قبل الحملة الانتخابية المقبلة - تتهاوى تمامًا. فبدلًا من أن يُظهر للناخب الإسرائيلي صورة "انتصار كامل" على أكبر عدو تاريخي للكيان، يتوجه رئيس وزراء الكيان إلى صناديق الاقتراع في ظل وجود خصوم "إسرائيل" في الشرق الأوسط، وتحالفها الاستراتيجي الأهم مُهتز أكثر من أي وقت مضى، والأمن القومي في أدنى مستوياته. وقد تتحول الحرب مع إيران، التي كان من المفترض أن تكون ورقة رابحة في عام الانتخابات، إلى العامل الحاسم في تحديد مصيره السياسي.