إيران تسعى لترسيخ مكانتها كقوة إقليمية
ترجمة الهدهد
في تحليل لصحيفة "هآرتس" ذكر أن جولة القتال الأخيرة بين كيان العدو وإيران، ورغم انتهائها ظاهرياً بإظهار كلا الطرفين لسياسة "عدم الاحتواء"، إلا أنها كشفت عن تحول عميق وجذري في الاستراتيجية الإيرانية الشاملة.
ويتمثل هذا التحول في دمج طهران لخصميها التاريخيين، الولايات المتحدة و"إسرائيل"، في كيان استراتيجي واحد، متخلية عن تقسيمها التقليدي بين "الشيطان الأكبر" و"الشيطان الأصغر"، ليتعامل القرار الإيراني من الآن فصاعداً مع "شيطان واحد" تقوده واشنطن وتتحرك إسرائيل من خلاله.
وبحسب المحلل "تسفي بارئيل"، يمنح هذا المفهوم الجديد شرعية إيرانية للرد المباشر ليس فقط على أي استهداف لأراضيها، بل على أي خرق لوقف إطلاق النار أو هجوم يطال قوافلها وحلفاءها، باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من رؤية طهران الإمبراطورية لنفسها، وهو ما عبّر عنه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية "إسماعيل بقائي" بتحميل واشنطن المسؤولية المباشرة عن تصرفات "إسرائيل".
وتمثل هذه الرؤية تبدلاً جوهرياً عن الهيكل الدفاعي القديم الذي أسسه "قاسم سليماني"، والذي كان يقوم على تقسيم الأدوار بين "الدولة الأم" وحلفائها الإقليميين في العراق واليمن ولبنان وسوريا، قبل سقوط رئيس النظام السوري "بشار الأسد".
وينبع هذا التحول من تقييم طهران لأداء حلفائها الإقليمية خلال الحرب؛ حيث يرى معلقون إيرانيون أن أولئك الحلفاء فشلوا في تشكيل "حزام نار" يحمي الدولة الأم دون إجبارها على التدخل المباشر، كما حدث عقب اغتيال الجنرال "محمد زاهدي" في دمشق عام 2024.
كما تراجعت فاعلية هؤلاء الوكلاء سياسياً بعد توقيع "الحوثيين" اتفاقية عدم اعتداء منفصلة مع الولايات المتحدة، وتحول الفصائل العراقية إلى سلاح ذي حدين يهدد علاقات طهران ببغداد، بالتوازي مع المساعي الرسمية للحكومة اللبنانية لتطوير قناة سياسية مستقلة تهدف لتجريد حزب الله من شرعيته الشعبية والعسكرية، مما هدد السيطرة الإيرانية المطلقة على بيروت ودفعها لإدارة الصراع مباشرة نيابة عن الحزب.
ولتعويض تراجع منظومة الحلفاء، نقلت إيران ثقل ردعها نحو استغلال موقعها الجغرافي المتحكم في "مضيق هرمز" والتهديد المباشر للاقتصاد العالمي، وعوضاً عن الاكتفاء بالغطاء السياسي الذي منحه لها تقاربها السابق مع دول الخليج، أدركت طهران أن تحويل المنطقة إلى ساحة حرب دائمة تهدد حقول النفط والغاز ومنشآت الطاقة يمنحها مكاسب أكبر؛ إذ يُجبر تلك الدول على استخدام كامل نفوذها لكبح جماح "الهجمات الإسرائيلية" والدفع نحو وقف إطلاق النار لحماية اقتصاداتها.
وفي المحصلة، تسعى إيران عبر هذا النظام الدفاعي المستحدث إلى تحويل "انتصار البقاء" في مواجهة القوى الكبرى إلى رصيد سياسي يؤسس لنظام إقليمي جديد، ولا يقف طموح طهران عند حدود تعزيز الردع الجيوسياسي، بل يمتد بوضوح نحو الانتقال من مرحلة الصمود إلى الانتعاش الاقتصادي، لترسيخ مكانة تؤهلها لمنافسة الكتلة الموالية للولايات المتحدة والتحول من مجرد "أزمة تتطلب الحل" إلى قوة عظمى فاعلة في الشرق الأوسط.