ترجمة الهدهد

اعتبر المحلل العسكري "يواف ليمور" أن جولة القتال الأخيرة مع إيران، والتي لم تستمر سوى أقل من يوم واحد بطلب من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، تمثل وصفة شبه مؤكدة لجولة مواجهة أخرى قريبة؛ بسبب تمسك كل طرف بمبادئه، محذراً من وقوع "إسرائيل" في فخ استراتيجي خطير بعد نجاح طهران، بدعم ضمني من "ترامب"، في ربط قضيتها حزب الله ولبنان، وفرض معادلة تقضي بالرد العسكري المباشر إذا هاجمت "إسرائيل" بيروت أو جنوب لبنان، وهي سابقة قد تتسع لتشمل غزة والضفة الغربية وتغري دولاً أخرى مثل تركيا بالانخراط في مغامرات مماثلة.

وعلى الرغم من "المزاعم الإسرائيلية" في الغرف المغلقة بأن طهران هي من استوعبت الدرس وتكبدت خسائر غالية باستهداف أنظمتها الدفاعية ومصانع صواريخها وبنيتها التحتية البتروكيماوية، إلا أن المؤشرات الاستراتيجية تؤكد عكس ذلك؛ إذ ينتشي النظام الإيراني بشعور راسخ بأنه خرج من الجولة أكثر قوة، مستغلاً سوء الإدارة الأمريكية للمفاوضات، والضغوط التي مارستها دول الخليج خشية تدمير منشآتها الطاقة، بالتوازي مع تصعيد "الحوثيين" الذين أعلنوا إغلاق مضيق "باب المندب" أمام السفن المتجهة للكيان، مستفيدين من الفشل العالمي بقيادة واشنطن في إدارة أزمة مضيق "هرمز".

وتثير طبيعة "الرد الإسرائيلي" المحدود علامات استفهام كبرى حول أهداف المعركة وكفاءة الردع؛ حيث تبرز تساؤلات غير مجابة عن أسباب اكتفاء "الجيش الإسرائيلي" بهجوم رمزي واحد على مقر لحزب الله في بيروت يضم عناصر ثانوية، وهو الهجوم الذي أشعل التوتر ووفر ذريعة مثالية للتحرك بقوة دون أن تستغلها "إسرائيل"، متبعةً نمطاً هجومياً محدوداً داخل إيران يُذكر بأيام "التحذيرات في غزة" التي سبقت أحداث 7 أكتوبر.

كما عجزت "إسرائيل" عن ادعاء كبح الإيرانيين في ظل اقتصار المشاركة الأمريكية على الدعم الدفاعي، دون إتاحة طائراتها الحربية لمساندة "سلاح الجو الإسرائيلي" هذه المرة.

ورغم التهديدات العلنية التي ساقها وزير جيش العدو "يسرائيل كاتس" بتغريدته التي توعد فيها بأن "حكم الضاحية في بيروت هو نفسه حكم المستوطنات الشمالية"، إلا أن هذه المناورات الكلامية لن تثني إيران بل ستقرب التصعيد المقبل، لاسيما وأن دوامة جولات المواجهة المفتوحة تضر بالاقتصاد والطيران والسياحة وقدرة الكيان على الصمود.

وكان الأجدى بـ "إسرائيل" خوض حملة عسكرية صعبة واحدة لتحقيق ردع فعال، بدلاً من الانجرار خلف واقع تندلع فيه النيران في أي لحظة، وامتناع "بنيامين نتنياهو" عن تقديم أي تفسيرات أو إجابات لـ "الجمهور الإسرائيلي" المأزوم والمشكك في أهداف الحملة.

ويأتي هذا التآكل المقلق في ثقة الجمهور بالتزامن مع حالة من الفوضى العارمة داخل "الكنيست"؛ حيث انشغل المسؤولون المنتخبون بمحاولة عرقلة رفع الحصانة عن النائبة "تالي غوتليب" إثر تسريبها اسماً لمسؤول رفيع في جهاز الأمن العام "الشاباك"، إلى جانب الانهماك بالترويج للجنة تحقيق بديلة في مجزرة 7 أكتوبر، تهدف بشكل مثير للدهشة إلى إسناد صلاحيات التحقيق إلى مراقب الدولة، الذي يوصف بأنه "المحامي الشخصي لنتنياهو"، لتغيب الاستراتيجية الأمنية الحقيقية وسط الحسابات الحزبية الضيقة.