فائزون أم خاسرون: قواعد "دونالد ترامب" القاسية للعبة
ترجمة الهدهد
طوال حملته الانتخابية، وحتى بعد انتخابه رئيساً في عام 2024، كان "دونالد ترامب" يصيح أمام أنصاره: "أمريكا تنتصر مجدداً، نحن ننتصر وسننتصر حتى تملّوا من الانتصار".
"ترامب" يعشق الفوز، والمبالغة في الإنجازات، والتباهي، والخسارة ليست من شيمه؛ إذ يسعى دائماً لتحقيق "نصر حقيقي" سريع، وإن لم يتحقق، يكتفي بالكلام، ويقلل من شأن الخسائر، ويخلق مظاهر زائفة.
هذا الأسبوع، حضر "ترامب" المباراة الأخيرة لفريق "نيويورك نيكس" في نيويورك؛ كان يستشعر أن النصر سيتحقق هناك، وعلى سكان نيويورك الانتظار، هذا الأسبوع أيضاً، صرّح بأنه سيعلن قريباً "النصر الكامل" في إيران.
إن شعار "أمريكا تنتصر" يعكس نهج "ترامب" في الحياة: في الأعمال والسياسة والإعلام والعلاقات الدولية، ويميز "ترامب" بين "الفائزين" و"الخاسرين" كفئتين أخلاقيتين للخير والشر -فالانتصارات بالنسبة له هي روح الرأسمالية و"الحلم الأمريكي".
هو يحتقر "الخاسرين" الذين باعوا أمريكا "بثمن بخس"؛ يحتقر "أوباما" و"بايدن" و"كامالا"، و"اليسار المتذمر"، والجمهور المتذمر والمظلوم، وأوروبا المنحلة، و"الخاسرين الدوليين" المتسترين بعباءة العمل الإنساني، وكل من لا يُظهر "الاحترام" للفائز العظيم، وكان "زيلينسكي" أيضاً على وشك أن يصبح خاسراً لو لم يُظهر الاحترام.
أصبح هذا "الانتصار السريع" أبرز إنجازات "ترامب" في عامه الأول في البيت الأبيض خلال ولايته الثانية، وبلغت انتصاراته ذروتها في "إغلاق الحدود أمام المهاجرين"، و"القصف الأمريكي للمنشآت النووية الإيرانية" في يونيو/حزيران 2025، و"اختطاف الرئيس مادورو في فنزويلا".
كما حقق "ترامب" انتصارات كبيرة في "السياسة الجمركية"، وفي "إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين" من قبضة حماس، وفي "إبرام ثماني اتفاقيات سلام" حول العالم، كما ادعى الرئيس، وزعم "ترامب"، في معرض حديثه عن "قوات حفظ السلام في غزة"، قائلاً: "لقد أبرمنا اتفاقيات تاريخية لم تُبرم منذ ثلاثة آلاف عام".
بالنسبة لـ"ترامب"، يعني الانتصار كإمبراطورية إخضاع الدول الأخرى والتقليل من شأن القادة الضعفاء -فقد أصبح الرئيس "ماكرون" في فرنسا و"كير ستارمر" في إنجلترا موضع سخرية منه، الانتصار يعني كسب الاحترام، وعندما يواجه قادةً حازمين لا يخشون شيئاً، عادةً ما يتراجع "ترامب"؛ فهو لا يريد معارك طويلة، لذا يمكن لأعدائه السابقين أن يصبحوا أصدقاء بسرعة. لا مكان للعواطف هنا: "إذا لم تستطع هزيمتهم، فانضم إليهم".
يقوم تحالف "ترامب" مع "إسرائيل" على فكرة النصر؛ فقد اعتبر "ترامب" اليهود الليبراليين في الولايات المتحدة "ضعفاء" بينما "إسرائيل" قوة منتصرة. بعد كارثة السابع من أكتوبر، احتاجت إسرائيل إلى راعٍ منتصر، فتولى "ترامب" مهمة حمايتنا وتحقيق المزيد من الانتصارات والشرف لنفسه. نعم، هو دائماً ما يحب أن ينسب لنفسه إنجازات ليست من صنعه، كما رأينا في حرب يونيو 2025.
في بداية ولايته الثانية، أصبح "نتنياهو" شريكاً في رؤية الانتصارات. كان من المفترض أن يكون "نتنياهو" تابعاً منتصراً، ينفذ كل ما يأمره به الرئيس في سبيل "النصر الكامل". وقد منحه تأييده لـ "إسرائيل" وإطلاق سراح الرهائن مكانة "كورش" بين اليهود.
كما اعتقد "ترامب" أن "الجيش الإسرائيلي" قادر على تحقيق "معجزات" بفضل يقظة "الطيارين الإسرائيليين" واستخبارات "الموساد"، كما في "عملية تفجير أجهزة النداء". لذا، فإن الفوز بالتعاون مع "إسرائيل" و"نتنياهو"، "رئيس الوزراء في زمن الحرب"، يُعد وصفة ناجحة لرفع مكانة الرئيس.
استهوت لغة "النصر السريع" على القيادة الإيرانية، إذ زعم "ترامب" أن "الموساد والطيارين الإسرائيليين" سيقضون على القيادة ويقودون إلى "تغيير النظام". وعد "ترامب" المتظاهرين في طهران بأنه قادم، وسيحقق نصراً تاريخياً هائلاً وسريعاً - "خمسة إلى ستة أسابيع كحد أقصى"، كما قال الرئيس.
لطالما قدم وزير الحرب "هاستيد" حروب "ترامب" على أنها مختلفة عن الانهزامية الأمريكية التاريخية المتمثلة في "حروب لا تنتهي". كانت الأيام الأولى من حرب "هاري رور" مثيرة بالفعل؛ فقد هاجمت الإمبراطورية الإيرانيين جنباً إلى جنب مع شريكها المنتصر من القدس، وكان الأمر مسألة وقت فقط، وفقاً لـ"ترامب"، حتى "الاستسلام الكامل" وتغيير وجه العالم. جميع الرؤساء "الخاسرين" في الولايات المتحدة، وعلى رأسهم "أوباما"، لم ينجحوا في نزع سلاح إيران النووي -وكان من المفترض أن يفعل "ترامب" ذلك.
لكن في الحرب، المفاجآت واردة دائماً؛ فـ"الحصار في مضيق هرمز"، وخاصة "إسقاط الطائرة الأمريكية" وإنقاذ الطيارين في العملية البطولية، نبّه "ترامب" إلى أن كل شيء قد ينهار في لحظة.
يخشى "ترامب" الظهور بمظهر الخاسر، وقد بدأ بتغيير نهجه، قال بعض مساعديه: "ربما لن يكون نتنياهو منتصراً"، وربما يُمكن التوصل إلى اتفاق يُوحي بنصر عظيم؟ يخشى "ترامب" الآن أن "نتنياهو" يُطيل أمد الحروب بلا نهاية، ويتورط فيها أكثر فأكثر، وينسحب منها تدريجياً.
هل يُعقل أن يكون "نتنياهو" قد أصبح عبئاً يجب كبحه؟ قال الرئيس في مشادة كلامية حادة مع "نتنياهو": "إسرائيل مكروهة في جميع أنحاء العالم. في النهاية، ستُتركون وشأنكم".
لا يزال "نتنياهو" يؤمن بالسلطة، لكنه بات مكروهاً في الولايات المتحدة. قال "ترامب": "لولا وجودي، لما وُجدت إسرائيل"، "ترامب" ليس من النوع الذي يتمسك بقضية المحرقة ومعاداة السامية، وليس من مصلحته تصوير إسرائيل كضحية أو خاسرة. يشرح له أصدقاؤه في حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" أن "نتنياهو" يجرّه إلى "هزائم داخلية"، وأن الرسالة بدأت تصل إليه.
هل نحن على وشك تغيير جذري وانهيار بمعنى "النصر الكامل"؟ هل سيتخذ "ترامب" إجراءً حاسماً بسبب أخطاء إيران، مثل "إسقاط المروحية"؟ هل سنحقق "انسحاباً سريعاً" يمنح "ترامب" بطاقة النصر؟
"إسرائيل" لا تملك اليوم فرصة لمنح "ترامب" بطاقة النصر، نحن محاصرون.
المصدر: "القناة 12"/ "البروفيسور يوسي شاين"