ترجمة الهدهد

كتبت الطبيبة "الإسرائيلية" "ميشال بيلدون" مقالاً مؤثراً عبّرت فيه عن صدمتها وصدمة عائلتها إثر رؤية صورة الدكتور الفلسطيني حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في غزة، والتي التُقطت له داخل سجن نفحة وعُرضت في المحكمة العليا.

ووصفت "بيلدون" الطبيب الأسير بأنه بدا نحيلاً للغاية، ووجهه خالٍ من التعبيرات، وذراعاه مغطاة بالجروح جراء عام ونصف من الاعتقال والتعذيب، وحذرت الطبيبة من خطورة الصمت الإنساني على هذه الانتهاكات، مؤكدةً لابنها ذي العشر سنوات أن الفارق الوحيد بينها وبين الدكتور أبو صفية هو مكان الولادة؛ حيث وُلد هو في غزة ووُلدت هي في كيان العدو "إسرائيل".

واستحضرت الكاتبة المسيرة البطولية لأبو صفية الذي تلقى تعليمه في كازاخستان واختار العودة لخدمة أبناء شعبه، ورغم الهجمات المتكررة لجيش العدو على مستشفاه منذ ديسمبر 2023، رفض الطبيب ترك مرضاه، حتى بعد أن قَتل جيش العدو ابنه إبراهيم بغارة مسيرة أمام بوابة المستشفى في أكتوبر 2024.

واستمر في بث الواقع الطبي المرير للعالم حتى أُصيب بست شظايا في ساقه، وظل يمارس واجبه من غرفته بالعناية المركزة في "كمال عدوان" -آخر مستشفى عمل في شمال القطاع- قبل أن يعتقله الجيش في ديسمبر 2024 وهو يرتدي معطفه الأبيض بعد إجلاء المرضى.

ويُحتجز الدكتور أبو صفية إلى جانب 13 طبيباً كبيراً وعشرات الكوادر الطبية من غزة بموجب قانون "مقاتل غير شرعي" الجائر، دون تهمة رسمية ومع تمديد تلقائي كل ستة أشهر.

ونقلت الكاتبة عن عائلات الأسرى ومنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" شهادات مروعة عن منعهم من التواصل مع ذويهم، وتعرضهم لتعذيب وحشي يشمل الجلد، وهجمات الكلاب، والوقوف الطويل، فضلاً عن تفشي الأمراض الجلدية والتنفسية، والمجاعة، ونقص المياه، مما اضطر الأطباء لفتح خراجات زملائهم بأدوات بدائية بلا تخدير، وتسبب في وفاة ثلاثة أطباء داخل السجون بظروف غامضة.

وفي سياق متصل، روت "بيلدون" تفاصيل تواصلها مع زوجة الجراح الأسير ناهد أبو طعيمة، الدكتورة أروى أبو طعيمة، التي تعيل أطفالها التسعة وحيدة داخل خيمة في خان يونس بعد اعتقال زوجها من مستشفى "ناصر" في فبراير 2024.

وأشارت إلى أن زوجة الطبيب رفضت المساعدات المالية مؤكدة أن مطلبها الوحيد هو الحراك السياسي والكتابة والتظاهر للإفراج عنه. لكن التحركات القانونية لا تجلب أحياناً إلا الانتقام؛ فبعد تقديم عريضة للمحكمة العليا تضم آلاف التوقيعات للمطالبة بالإفراج عن أبو صفية، سارعت مصلحة السجون لنقله تعسفياً من سجن "كيتسعوت" إلى العزل الانفرادي في سجن نفحة.

وجه الدكتور أبو صفية رسالة مقتضبة عبر محاميه خلال جلسة المحكمة الأخيرة قال فيها: "أنا طبيب أطفال أقدم الخدمات الطبية والرعاية للمرضى والجرحى والفئات الضعيفة في غزة، إن احتجازي هنا ظالم وتعسفي، وأطالب بالإفراج الفوري عني".

وشبهت "الطبيبة الإسرائيلية" أبو صفية بالطبيب البطل التاريخي "يانوش كورتشاك" الذي رفض التخلي عن أطفاله في -معسكرات النازية-، محذرة المحكمة العليا بأنه إذا لم يُطلق سراحه فوراً، فإن المنظومة القضائية و"السلطات الإسرائيلية" برمتها ستكون متورطة بشكل مباشر في تدمير رمز فلسطيني إنساني للبطولة.

المصدر: صحيفة "هآرتس"