ترجمة الهدهد

تعيش الأروقة الأمنية والاستخباراتية للعدو حالة من الاستنفار والقلق غير المسبوق، بالتزامن مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، والذي يتضمن مهلة تفاوضية تمتد لـ 60 يوماً بين الولايات المتحدة وإيران.

وتُحذر أوساط واسعة من خبراء وعلماء العدو المعنيين بالملف النووي الإيراني، من أن هذا الاتفاق يمثل "فخاً استراتيجياً" خطيراً، يمنح طهران الغطاء الزمني والسياسي اللازم للوصول إلى نقطة اللاعودة، وسط تقديرات بامتلاكها مواد انشطارية تكفي لإنتاج نحو 12.5 قنبلة نووية، في ظل غياب تام للرقابة الدولية الفعالة.

ويُحمّل كبار الخبراء الأمنيين القيادة السياسية للعدو مسؤولية تقديم "صورة نصر مزيفة" للجمهور، مؤكدين أن الضربات العسكرية الأخيرة أخطأت هدفها الإستراتيجي الأهم، ومهدت الطريق أمام طهران لاستنساخ "النموذج الكوري الشمالي".

سباق التسلح في غرف الظلام: أرقام تثير الذعر

خلف التصريحات الدبلوماسية المطمئنة التي تتحدث عن إبعاد إيران عن حيازة القنبلة، تكشف البيانات "الجافة" والسرية التي تتداولها غرف الاستخبارات الغربية و"الإسرائيلية" عن واقع مغاير تماماً ومثير للذعر.

فوفقاً للتقديرات المهنية الدقيقة، تقف طهران اليوم على حافة امتلاك ترسانة نووية مصغرة بفضل مخزونها الضخم من اليورانيوم المخصب، والذي يتوزع على النحو التالي:

  • 11 قنبلة نووية: يمكن إنتاجها فوراً باستخدام مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
  • 1.5 قنبلة نووية: يمكن إنتاجها من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 20%.
  • احتياطي استراتيجي: كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 5%، تكفي لإنتاج حوالي 7 قنابل إضافية على المدى الطويل.

ويؤكد الخبراء أن الوصول إلى نسبة تخصيب 60% لا يمثل "طاقة نووية مدنية"، بل هو عملياً بمثابة "سلاح جاهز للإطلاق" لا ينقصه سوى الضغط على الزناد؛ إذ أن المسافة الهندسية للوصول إلى العتبة العسكرية (90%) تُعد قصيرة جداً.

"صورة النصر" الزائفة وإخفاق القيادة السياسية

وجّه مسؤولون أمنيون، من بينهم النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي للعدو والمسؤول عن البرنامج النووي الإيراني "رافي ميرون"، انتقادات لاذعة لرئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو". ويؤكد هؤلاء أن قيادته السياسية فشلت إستراتيجياً عندما وجهت الدفة نحو تحقيق إنجازات تكتيكية واستعراضية بدلاً من معالجة الخطر الوجودي المتمثل في "المادة الانشطارية".

ويرى المنتقدون أن جولة الحرب الأخيرة، بما فيها عملية "شعب كالأسد"، ركزت على ضرب منظومات الصواريخ والدفاعات الجوية الإيرانية، وصناعة فيديوهات مبهرة لمتحدث جيش العدو، متجاهلة جوهر التهديد.

ويشبه الخبراء هذا السلوك بـ "إيقاف مطبعة أموال بعد أن غادرت الأوراق النقدية المخازن باتجاه البنك"؛ فالمادة عالية التخصيب لا تزال بأيدي الإيرانيين وفي منشآت قد تكون غير معروفة.

ويشير الخبراء إلى مفارقة تاريخية؛ ففي عام 2012، وقف "نتنياهو" في الأمم المتحدة حاملاً رسمته الشهيرة للقنبلة، محذراً من أن الخطر يكمن في اللحظة التي تعجز فيها "إسرائيل" عن منع التخصيب، واليوم تبدو تلك التحذيرات وكأنها لائحة اتهام ضده؛ إذ يتم تسويق "ألبوم نصر" وهمي يخدّر الرأي العام، بينما تتعزز فرص إيران في الوصول إلى هدفها.

مهلة الـ 60 يوماً والعمى الاستخباري

تتصدر مهلة الـ 60 يوماً التي يتيحها الاتفاق الدبلوماسي الجديد قائمة "المخاوف الإسرائيلية"، فبينما يرى الساسة في واشنطن والعواصم الغربية في هذه المهلة "فرصة دبلوماسية" وتتحدث عن رفع العقوبات، تراها "الاستخبارات الإسرائيلية" فرصة ذهبية للنظام الإيراني لتحقيق اختراق نهائي.

وتبرز خطورة هذه المرحلة في ظل عوامل "العمى الاستخباري" التي يعاني منها الغرب:

  • غياب الرقابة المباشرة: منذ فبراير 2021، لم تخضع عملية إنتاج أجهزة الطرد المركزي الإيرانية لأي رقابة مستمرة، مما يعني أن طهران قد تكون أنتجت آلاف الأجهزة المتقدمة سراً.
  • المنشآت السرية: حذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية "رافائيل غروسي" من قدرة الإيرانيين على إنشاء منشآت نووية صغيرة وسرية في مناطق جبلية نائية لإنتاج القنبلة، بعيداً عن أعين المفتشين.
  • إستراتيجية الإخفاء: أعلنت طهران مؤخراً عن إجراءات تمنع الوصول إلى احتياطيات اليورانيوم، وهو ما قد يُستخدم كذريعة لاحقاً للادعاء بفقدان المواد أو دفنها حال طُلب منها تسليمها وفقاً لأي اتفاق مستقبلي.

الخلاصة: استنساخ النموذج الكوري واقتراب نقطة اللاعودة

يحذر الخبراء من أن الضربات العسكرية الأمريكية و"الإسرائيلية"، واغتيال القيادات المعتدلة التي كانت تلعب دور "الراشد المسؤول" في طهران، قد قدمت للمؤسسة العسكرية الإيرانية المبرر المثالي والمحفز الأقوى لتسريع إنتاج القنبلة، باعتبارها بوليصة التأمين الوحيدة لبقاء النظام؛ على غرار تجربة كوريا الشمالية التي أجبرت العالم على التعايش معها كقوة نووية.

ويختم التقرير الاستخباري تحذيراته بالتشديد على أن أي اتفاق يتم إبرامه برعاية الإدارة الأمريكية (سواء في عهد "أوباما" سابقاً أو مع التحركات المرتبطة بـ "دونالد ترامب" حالياً) لا يتضمن النزع الفوري والكامل للمواد المخصبة بنسبة 60% و20% من يد الإيرانيين، هو مجرد تأجيل للكارثة. وإذا استمر التغاضي عن هذه المطالب الجوهرية، فإن المرحلة التي تعجز فيها "إسرائيل" أو غيرها عن منع إيران من امتلاك السلاح النووي لم تعد مجرد كابوس مستقبلي، بل هي واقع بدأ يُكتب بالفعل.

المصدر: "رونين بيرغمان"