ترجمة الهدهد

في قراءة سيكولوجية معمقة لخطاب رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" خلال مؤتمره الصحفي الأخير بشأن إيران، توقفت المحللة النفسية والخبيرة السلوكية الدكتورة "ليراز مارغاليت" عند زلة لسان لا واعية، اعتبرتها كاشفة للحالة الذهنية الحقيقية التي يمر بها القائد في مواجهة انكسار إرثه السياسي.

ففي معرض رده على التساؤلات والفجوة بين أهداف الحرب والنتائج المعقدة المتمثلة في الاتفاق الأمريكي-الإيراني، نطق نتنياهو بجملة استثنائية: "لو لم نتحرك، لكنتم جميعاً في خطر الموت الجماعي".

وترى "مارغاليت" أن هذه العبارة لا تمثل مجرد زلة لسان عابرة، بل هي انعكاس لبنية نفسية نرجسية تفصل القائد تماماً عن شعبه وتحوله من شريك في المصير إلى "منقذ وحيد".

"أنتم" ولستُ "نحن": تفكيك العقلية النرجسية للقائد

تُشير "د. مارغاليت" إلى أن الخطاب السياسي المخطط له والواعي يميل عادة إلى استخدام صيغ الجمع التضامنية مثل: "كنا جميعاً في خطر، وتصرفنا معاً". لكن البنية اللاشعورية لدى نتنياهو خانته لتكشف عما لم يكن يسمح لعقله الواعي بالتصريح به:

  • استبعاد الذات من الخطر: باستخدام كلمة "كنتم" بدلاً من "كنا"، وضع "نتنياهو" العامة في كفة الضحايا المستهدفين بالإبادة، ووضع نفسه في كفة المنقذ المتعالي.
  • عقيدة الراعي والقطيع: في سيكولوجية القيادة النرجسية، يُعد هذا الفصل نمطاً مألوفاً؛ حيث يُنظر إلى الجمهور كقطيع عاجز يحتاج إلى الرعاية والإنقاذ، بينما يقف "الراعي" في منطقة عليا؛ يرى، ويتصرف، وينقذ دون أن يتشاركا مشاعر الخوف ذاتها.
  • الهروب إلى لغة الكوارث: الانتقال من المصطلحات الأمنية الجافة (مثل تحقيق إنجاز إستراتيجي أو كسب الوقت) إلى سيناريوهات "الموت الجماعي" يهدف بالأساس إلى ترويع الجمهور نفسياً، لجعل المتحدث الترياق الوحيد لهذا الرعب.

صدمة الواقع ومحاولة "إنقاذ الرواية التاريخية"

تضع التحليلات النفسية هذا الهيجان اللغوي لـ "نتنياهو" في سياق محاولته المستميتة لإنقاذ إرثه السياسي الذي بات يفلت من بين يديه. فعلى مدار عقود، بنى نتنياهو هويته حول أسطورة "الزعيم التاريخي والحامي" الذي استشرف الخطر الإيراني قبل الجميع، وصمد أمام الضغوط الأمريكية.

واليوم تجد هذه الأسطورة نفسها محاصرة بملفات معقدة متزامنة: الانقسام الداخلي الحاد، والمحاكمة القضائية، والإخفاق المزلزل في 7 أكتوبر، والعزلة الدولية، والاعتماد الكلي على واشنطن، وأخيراً اتفاق "ترامب"طهران" الذي أبقى على الطموح النووي الإيراني مفتوحاً.

عندما تشعر الشخصية النرجسية بأن روايتها التاريخية مهددة بالانهيار، فإنها تنتقل من مرحلة "الإقناع" إلى مرحلة "الإجبار النفسي"؛ حيث ترتقي الحجج إلى مستويات متطرفة وتتضخم التهديدات، ليس لتوفر الأدلة، بل لأن هذا الإطار المتطرف هو الوحيد القادر على حجب الحقائق الموضوعية وتحييد الانتقادات الخارجية.

لغة الذعر الساعية لفرض الذاكرة البديلة

تؤكد "د. مارغاليت" أن عبارة "لولا وجودي لكنتم قد متم" هي في جوهرها لغة قلق وذعر وجودي. فالقائد الواثق من منجزاته يعرض أرقاماً ونتائج واضحة، أما اللجوء إلى الترويع بالموت الجماعي فيكشف عن خوف عميق من أن التاريخ لن يغفر، وأن الذاكرة الجمعية التي ستبقى لن تكون قصة "خلاص"، بل قصة تمزق اجتماعي وفرص ضائعة ووعود تبخرت.

ومن الناحية التكتيكية، يهدف هذا الترويع النفسي إلى تغيير قواعد اللعبة وإسكات المعارضة؛ فبمجرد أن ينجح القائد في إقناع الجمهور بأنه أنقذهم من الفناء، يصبح أي نقد مشروع للأهداف العسكرية أو لتكلفة الحرب غير ذي جدوى، ويبدو المنتقدون كأشخاص سطحيين لا يدركون حجم الكارثة التي نُجّوا منها.

وتخلص القراءة النفسية إلى أن "نتنياهو" لم يعد يتحدث إلى الجمهور بل بات يتحدث إلى "التاريخ" في محاولة لفرض كيفية تذكره، مستهدفاً محو كل البقع السوداء—من المحاكمة والانقسام وصولاً إلى 7 أكتوبر—ليقتصر "الوعي الإسرائيلي" على تذكر عبارة واحدة فقط: "لا تتذكروا الإخفاقات.. تذكروا شيئاً واحداً: لقد أنقذتكم".

المصدر: "معاريف"/ "د. ليراز مارغاليت"