كيف يُدير "نتنياهو" حرب الاستنزاف في جنوب لبنان؟
ترجمة الهدهد
بات واضحاً في الأوساط السياسية والعسكرية أن مبدأ عدم انسحاب "إسرائيل" من "القطاع الأمني" الذي احتلته في جنوب لبنان قد استقر كأمر واقع، إلا أن المعضلة الحقيقية التي تواجه "حكومة نتنياهو" الآن تكمن في كيفية مواصلة العمليات العسكرية ضد حزب الله دون الدخول في مواجهة مدمرة مع الإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس "دونالد ترامب" ونائبه "جيه دي فانس".
ورغم خسارة "الجيش الإسرائيلي" المؤلمة لأربعة من جنوده خلال يومين، فإن استراتيجية الضغط الإيرانية المستمرة عبر حزب الله يجب أن تُفهم كدعوة لـ "الجيش الإسرائيلي" لاتخاذ خطوات إضافية لتحييد الحزب؛ حيث يرى الخبراء أن الخيار العملياتي الأمثل حالياً هو التركيز على تصفية خلايا المسلحين ميدانياً ــ عبر تدمير مواقعهم والقضاء على نحو 60 مسلحاً في الهجمات الموضعية ــ بدلاً من توجيه ضربات استعراضية صاخبة في بيروت تجلب اهتماماً دولياً محموماً وتثير حفيظة البيت الأبيض.
وفي هذا السياق، يبرز تحذير شديد من مغبة إخضاع القتال في جنوب لبنان للمصالح الحزبية الضيقة والتصريحات التحريضية الحادة الصادرة عن وزراء اليمين مثل "إيتامار بن غفير" و"بتسلئيل سموتريتش"؛ فعندما يرفع هؤلاء شعارات مثل "لينتصر الجيش الإسرائيلي"، فإن الأصح هو منح قيادة الجيش المساحة والحرية الكاملة لابتكار استراتيجية ميدانية توازن بين هدف القضاء على حزب الله والقدرة على المناورة في ظل القيود السياسية المفروضة، وهي ليست حيلة جديدة في هذه الحرب.
ويقترن ذلك بالتساؤل عما إذا كان الأمريكيون سيدركون في نهاية المطاف أن تجاهل مصالح "إسرائيل" الأمنية الأساسية سيعمق عدم الاستقرار في الشرق الأوسط؛ وهو الرهان الذي كُلف رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" بإدارته، حيث هيأ "إسرائيل" لموقف تجد فيه نفسها وحيدة مجدداً دون السقوط في عزلة تامة، مستنداً إلى تقديرات بأن واشنطن لن تصمد طويلاً في فرض قيود عارضها "ترامب" نفسه طوال مسيرته، متطلعاً إلى محطات قادمة تشمل الشهرين المقبلين والمفاوضات اللاحقة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يتجلى التنازل الشخصي لـ "نتنياهو" في عدم التعبير علناً وبقوة عن معارضته للاتفاق الذي يُحاك من خلف الكواليس بواسطة "ترامب" و"فانس" بالتعاون مع مبعوثيه "ويتكوف" و"كوشنر"؛ وهما شخصيتان تلاحقهما الشكوك حول إمكانية تعرضهما لتحقيقات جنائية مستقبلاً بسبب مصالحهما الشخصية والتجارية القائمة على الاعتماد ــ رفقة ترامب نفسه ــ على دولة قطر، وهو ما يعكسه بوضوح بذخ "القصر الطائر" الذي افتُتح نهاية الأسبوع.
وتتزامن هذه الكواليس مع غياب الموقف الموحد في "الجبهة الداخلية الإسرائيلية"؛ فلا توجد تصريحات حاسمة من المعارضة تؤكد رفض الانسحاب من جنوب لبنان قبل فرض شروط نزع سلاح الحزب أو دفعه شمالاً، كما أن الدعوات الشعبوية المطالبة بحرق لبنان بأكمله لا تقدم أي دعم حقيقي للجيش، بل تُستخدم لأغراض سياسية لإظهار الفجوة بين الواقع والمنشود، خاصة بعد أن أثبتت تجارب القتال منذ 7 أكتوبر خطأ الفرضيات السابقة، وأن "عقيدة الضاحية" وشعارات "إعادة لبنان إلى العصر الحجري" لم تكن سوى أوهام مهووسة بإشعال الحرائق.
وفي الختام، يُشدد التحليل على ضرورة أن يشعر حزب الله بأن "الجيش الإسرائيلي" يدق إسفيناً من الشكوك يدفعه نحو التفكك التام، من خلال إثبات أن إيران عاجزة عن حمايته بل تدفعه نحو نهايته المحتومة كبش فداء؛ ومع ذلك، يبقى التساؤل مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الانقلاب في المعادلات سيضع الحزب على حافة الهاوية فعلياً، وهو سؤال يعجز عن الإجابة عليه حتى المحللون البارزون في المشهد الإسرائيلي أمثال "مايا راخلين" واللواء احتياط "إسرائيل زيف"، مما يبقي القتال مستمراً بانتظار التوقيت المناسب والمناورات المتبادلة بين طهران وبيروت وتل أبيب.
المصدر: "إسرائيل هيوم"/ "أمنون لورد"