ترجمة الهدهد

تواجه "إسرائيل" اليوم واقعاً سياسياً وعسكرياً معقداً يضطرها لقبول إملاءات أمريكية صارمة وإشكالية في كافة المجالات، وهو نتاج مباشر لافتقار الحكومة ورئيسها "بنيامين نتنياهو" لأي خطة سياسية واضحة لإنهاء الصراعات.

ولم يكن هذا العجز وليد الصدفة، بل جاء انعكاساً لتبني "نتنياهو" في السنوات الأخيرة مفهوماً أمنياً صاغه اللواء المتقاعد "يعقوب أميدرور"، الرئيس السابق لهيئة الأمن القومي والمقرب من رئيس الوزراء، والذي ينص على أن "النتيجة العسكرية هي الوضع الوحيد الذي تستطيع الدولة تحقيقه، ولا وجود لتسويات سياسية منفصلة أو إضافية".

هذا المفهوم أعفى القيادة السياسية من واجبها الأساسي في صياغة الحلول والتفاهمات الدولية، واختزل دورها في مجرد تفعيل الآلة العسكرية، مما فتح الباب أمام القوى الخارجية لفرض ترتيبات إقليمية لا تخدم "المصالح الإسرائيلية".

ويتجلى الفشل الذريع لهذا المفهوم في المخاوف و"الإحباطات الإسرائيلية" المتصاعدة من مذكرة التفاهم والاتفاق المتبلور بين الولايات المتحدة وإيران، والذي يمنح طهران رسمياً موطئ قدم في لبنان ومسؤولية عن مصيره مع الحفاظ على قوة حزب الله.

وكالعادة تُوجّه حاشية "نتنياهو" أصابع الاتهام إلى الخارج، محملة إدارة "دونالد ترامب" المسؤولية بدعوى رغبتها في إنهاء الحرب بأي ثمن وتقييد حركة "إسرائيل"، متغافلين عن المذنب الحقيقي؛ وهو رئيس وزرائهم الذي اعتقد واهماً أن "إسرائيل" يمكنها خوض حروب أبدية دون أفق سياسي، وأن واشنطن ستمنحها تمويلاً وتفويضاً مطلقاً لتحقيق أهداف غير واقعية، بدأت من إسقاط النظام الإيراني ونزع سلاح حزب الله وحماس، وانتهت بمراوحة ميدانية قاتلة.

ويمتد هذا العجز السياسي ليفرض نفسه على جبهات المواجهة كافة؛ ففي قطاع غزة، تسبب تجنب "نتنياهو" التخطيط لـ "اليوم التالي" لإسقاط حماس في بقاء الحركة وسيطرتها على الأرض. وبالمثل، قاد ذات المنطق قديماً إلغاء الاتفاق النووي مع إيران خلال عهد "أوباما"، مما عجل بامتلاكها التكنولوجيا النووية، أما على الساحة اللبنانية، فقد فشلت الحكومة في استغلال حالة الضعف التي أصابت الحزب عقب عملية "بيجر" واغتيال حسن نصر الله، ليستعيد الحزب عافيته تدريجياً، تاركاً إسرائيل دون إنجاز سياسي يوازي الزخم العسكري الأولي.

وأمام هذا الفراغ في "الأفكار الإسرائيلية" القابلة للتطبيق، تحركت الإدارة الأمريكية لفرض نهايات للحملات العسكرية؛ إذ مارس "ترامب" ضغوطاً مباشرة لتهيئة الظروف لإبرام اتفاق لإعادة الرهائن، وأنهى عمليتي "شعب كالاسد" و"زئير الأسد".

وعلى الجانب اللبناني، يفرض البيت الأبيض حالياً وقفاً لإطلاق النار، ويشرك قوى إقليمية مثل قطر وباكستان في "خلية لمنع الاحتكاك في لبنان" دون مشاركة "تل أبيب"، مع دعم الرؤية التي ترى في الزعيم السوري أحمد الشرع طرفاً مؤهلاً لمهمة نزع سلاح حزب الله.

لتجد "إسرائيل" نفسها في نهاية المطاف تابعة بالكامل للخطط البديلة التي يصيغها الآخرون، معتمدة بالكامل على الدعم الأمريكي المطلق بعد أن أفرغت جعبتها من أي خيار سوى الحل العسكري، أكثر من أي وقت مضى، وهذا هو بالضبط ما يبدو عليه الانهيار السياسي.

"هآرتس"/ "سامي بيريتز"