ترجمة الهدهد

تتصاعد حدة الغضب والجدل السياسي والاجتماعي في كيان العدو مع استمرار الحرب، مدفوعة بالتناقض الصارخ بين خسائر جنود الاحتياط في الميدان واحتجاجات المتدينين "الحريديم" الرافضين لتحمل عبء الخدمة العسكرية.

وتتجسد هذه الفجوة في المشهد اليومي للطرقات؛ فبينما لا تزال آثار الموت والدمار تخيم على مستوطنات غلاف غزة، يغلق نشطاء "الحريديم" الشوارع الحيوية احتجاجاً على محاولات تجنيدهم، مستغلين نفوذهم السياسي الواسع داخل حكومة "بنيامين نتنياهو".

في طريق العودة من مستوطنة "كفار عزة" ــ ذلك الحي المحترق والصامت الذي يسكنه جيل الشباب ولا تزال معالم الحياة المدمرة باقية في منازله ــ تبرز مفارقة مؤلمة؛ حيث يضطر المارّة لتخفيف سرعة مركباتهم خلف مواكب متظاهري "الحريديم". وتبدو هذه الاحتجاجات كحصار مؤسسي منظم تقوده جماعة "أغودات يسرائيل" وليس "جماعة القدس"، مما يظهر مدى تغلغل المعرفة بتفاصيل هذا المجتمع بين "الإسرائيليين" اليوم.

وفي الوقت الذي يروي فيه سكان الغلاف قصصاً مأساوية عن جرحى نزفوا حتى الموت، وأطفال يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، وجنود احتياط اندفعوا نحو حتفهم في أطول حرب تخوضها البلاد، يسافر آخرون على الطريق الممتد نحو تل أبيب للمطالبة بـ"حقهم" في التهرب من الخدمة العسكرية، دون أي خشية من إرسال أبنائهم إلى جبهات القتال.

ما يميز احتجاجات "الحريديم" ويجعلها نوعاً مختلفاً من الجرأة مقارنة باحتجاجات ذوي الاحتياجات الخاصة، أو معارضي خطة فك الارتباط، أو حتى المتظاهرين ضد التعديلات القضائية عام 2023، هو أن "الحريديم" ليسوا معارضة، بل هم جوهر النظام الحاكم وجوهرة تاج حكومة "نتنياهو".

ففي لحظة ما، يُبرم قادة المتدينين مثل "غافني" و"غولدكنوف" صفقات سياسية مع "نتنياهو" لتشكيل لجان تحقيق سياسية داخل مكتبه، وفي اللحظة التالية يغلق نشطاؤهم الطرقات احتجاجاً على قرارات الحكومة التي يديرونها من وراء الكواليس، والتي تُحوّل إليهم المليارات عبر وزير المالية "بتسلئيل سموتريتش".

إنها حلقة دائرية من احتجاج رجال الحكومة ضد الحكومة نفسها على حساب مصالح المستوطنين وسائقي المركبات.

يرد "الحريديم" على هذه الانتقادات بالتساؤل: "إذا كنا نسيطر على كل شيء، فلماذا لا يزال يُعتقل الفارّون من الخدمة العسكرية؟"؛ غير أن الواقع يؤكد أن هذه الاعتقالات عشوائية وقليلة، وتأتي في إطار الاستهزاء بالرأي العام، لا سيما وأن الجيش قرر عدم إرسال الشرطة العسكرية لاعتقال الفارين من منازلهم.

وفي المقابل، يقضي "الإسرائيليون" مئات الأيام في الخدمة الاحتياطية مخاطرين بحياتهم، بينما يرفض "الحريديم" الانخراط في أي خدمة وطنية أو مدنية، معلنين انفصالهم التام عن عالم "تحمل الأعباء"، ومتبنين في الوقت ذاته أسلوب قطع الطرقات لفرض إرادتهم سواء كانوا داخل الائتلاف الحكومي أو خارجه.

تُصنف هذه الحواجز قانونياً كنوع من العصيان المدني الذي يفرض القانون عقوبات محددة تجاهه، إلا أن أجهزة إنفاذ القانون في إسرائيل أظهرت دائماً تسامحاً مفرطاً مع إغلاق الطرقات من جميع الأطراف.

ويُعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما كتبه نائب رئيس المحكمة العليا الراحل، "ميشائيل تشيشين"، ذات مرة تنديداً بتوسيع الحق في الوقوف والاعتراض، حيث قال: "اليوم، يلتقط المرء صحيفة الصباح أو المساء، وتتنقل نظراته بين مختلف الأخبار حتى تقع عينه على خبرٍ مُعين. وعندما يجد ما وجده، يُنادي أصدقاءه: انهضوا واصعدوا إلى صهيون - إلى المحكمة العليا".

وبناءً على هذا المنظور، تحول الشعار اليوم إلى "انهضوا واصعدوا إلى صهيون" لكن ليس للتقاضي، بل لإغلاق طرقها وجعل حياة سائقيها بائسة، وسط مطالبات متزايدة بوضع حد لهذا التشويه المحلي.

المصدر: " يديعوت أحرنوت"/ "نداف إيال"