ترجمة الهدهد

يخوض رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" مقامرة سياسية غير مسبوقة قبل أقل من أسبوع على انتخابات الكنيست المقررة في 20 أكتوبر، حيث يركز جهوده بالكامل على تعزيز أسس كتلته اليمينية عبر تقديم تنازلات تشريعية وُصفت بأنها الأشد فساداً وانتهازية في تاريخه السياسي.

ويدفع "نتنياهو" بقوانين تثير معارضة جارفة لدى أغلبية "الإسرائيليين"، بما في ذلك ناخبو حزبه "الليكود"، مدفوعاً بإدراكه أن السيناريو الأمثل له هو إنهاء الانتخابات دون حسم واضح وبميزة نسبية للمعارضة وفق ما تظهره استطلاعات الرأي، ليعيد اختبار شراكته "الطبيعية" مع الأحزاب الحريدية الثلاثة، هرباً من تحقيقات قضائية ولجان تحقيق حكومية قد تنهي مسيرته السياسية بقرار يدينه مباشرة: "أنت الرئيس، وأنت المذنب".

وتتجاوز صفقات "نتنياهو" التشريعية الحالية كل منطق سياسي، إذ يروج لـ"القانون الأساسي لدراسة التوراة" وقانون آخر يهدف إلى منع اعتقال المنشقين والمتهربين "الحريديين" من الخدمة العسكرية، وهو ما يعد استهزاءً صريحاً بأنصار تيار "كابلان" والمعارضة.

ورغم الإهانات العلنية التي تلقاها "نتنياهو" من القيادات "الحريدية"، مثل وصف الحاخام "دوف لاندو" له بـ"المحتال"، واتهامات "موشيه غافني" بأنه لم يقدم لهم شيئاً، فضلاً عن الخلافات العميقة داخل حزب "أغودات يسرائيل" بين حاخام "غور" و"إسحاق غولدكنوف"، إلا أن "نتنياهو" المصاب بجنون العظمة والشرخ الائتماني يتصرف بتهور ويبيع كل شيء ويخاطر بمستقبل مرشحي "الليكود" في الكنيست الذين نصحه بعضهم مؤخراً بوقف هذا التدهور وحل البرلمان دون جدوى، متبنياً عقلية الرجل الوحيد الذي لا يخطئ ويرى نفسه أفضل من كل خصومه.

وينطلق "رئيس الوزراء" في استسلامه لابتزاز "الحريديم" من رغبة عارمة في الانتقام من المؤسسات التي جعلته متهماً بالفساد، وفي مقدمتها وسائل الإعلام التي كشفت ملفاته، والشرطة التي قُيدت تحقيقاتها، ومكتب المدعي العام.

وفي هذا السياق، يصر "نتنياهو" على تمرير ثلاثة قوانين قمعية في القراءة الأولى لضمان خضوعها لقانون الاستمرارية في الكنيست المقبل؛ وهي قانون يقمع تقديم المشورة القانونية للحكومة ومكتب المدعي العام، وقانون يكمم حرية الإعلام، وقانون ثالث لإنشاء "لجنة تحقيق" سياسية مشلولة تضمن إعادة كتابة البروتوكولات وتشويه الأدلة وتشتيت الحقائق لضمان مخرج آمن له، مستغلاً واقعاً سياسياً ملتوياً يستبعد منذ البداية عشرة أعضاء كنيست عرب أو أكثر من الائتلاف الحكومي، بينما يرحب بالمجرمين والعنصريين و"الكاهانيين" والمسيحانيين كشركاء شرعيين.

وفي إطار الصراع الداخلي وتصاعد حدة الاحتجاجات، تلوح في الأفق تهديدات صريحة من التيار "الحريدي" بإشعال البلاد كالنار وإغلاق الطرقات في ذروة الصيف قبل الانتخابات؛ وسط مفارقة تظهر انحياز الحكومة التي تشوه تظاهرات "كابلان" السلمية الساعية لاستعادة الأسرى، بينما تصمت وتشجع المتمردين "الحريديين" الذين يطالبون بإعفاء أبدي من الخدمة العسكرية رغم كونهم الفئة الأكثر حظوة واقتصاداً ريعياً في "إسرائيل"، وهو ما يحول الصراع الداخلي بين "نتنياهو" وحزبي "ديجل هتوارة" و"شاس" إلى وقود مالي وانتخابي قد تستغله المعارضة إذا أحسنت التصرف، بناءً على الحقيقة الثابتة بأنه "لا حكومة لبيبي بدون الحريديم".

وعلى جبهة المعارضة وقوى التغيير، تسود حالة من الارتباك والتنافس المحموم؛ حيث يشن "بني غانتس" هجوماً حاداً عبر القنوات التلفزيونية ضد "غادي آيزنكوت" متوافقاً مع حملة "يوناتان أوريخ" ومردداً شعارات غاضبة حول "حكومة وحدة وطنية شاملة فقط"، في وقت يواجه فيه حزبا "نفتالي بينيت" و"يائير لابيد" انهياراً سريعاً بخسارة ما بين 10 إلى 11 مقعداً مجتمعين وفق أحدث استطلاعات الرأي.

ويواجه "بنيامين بينيت" تراجعاً كبيراً أمام الشعبية المتزايدة لـ"آيزنكوت" الوافد الجديد الذي يستعد لإطلاق حملته الانتخابية "ياشار!" وتقديم خطط شاملة لإعادة بناء الكيان بالتعاون مع خبراء وشخصيات بارزة، من بينها اللواء الدرزي "كامل أبو ركن" منسق العمليات السابق في الأراضي المحتلة.

وتثير القوة المتنامية لـ"آيزنكوت" مخاوف عميقة لدى شريكه "يائير غولان" وقائمة "الديمقراطيين" المشتركة بين حزبي العمل و"ميرتس" وأنصار حركة الاحتجاج، حيث تلوح في الأفق كوابيس إعادة التاريخ لنفسه ومحاكاة انتخابات عام 2009.

وفي ذلك الوقت، قادت "تسيبي ليفني" حزب "كاديما" بشعار "إما تسيبي أو بيبي" والتهمت الأصوات الاستراتيجية لحزب "ميرتس" مما قلص تمثيل الأخير إلى ثلاثة أعضاء فقط هم "حاييم أورون" و"إيلان جيلون" و"نيتسان هوروفيتس"، وبينما فاز "كاديما" بـ 28 مقعداً متفوقاً على "الليكود"، انتهى به المطاف في المعارضة وضاع التكتل.

وتتخوف قوى الوسط واليسار اليوم من أن يتكرر السيناريو بشعار "إما غادي أو نتنياهو"، مما قد يؤدي إلى تفتيت قوى التغيير ودفع شخصيات مثل "جلعاد أردان" أو "بني غانتس" للارتماء مجدداً في أحضان "نتنياهو" تحت مسمى "الوحدة الوطنية"، ليعود المشهد إلى نقطة الصفر ويثبت "رئيس الوزراء" أركان حكمه من جديد.

المصدر: "هآرتس"/ "يوسي فيرتر"