"نتنياهو" يعرض "البرنامج النووي الإسرائيلي" للخطر
ترجمة الهدهد
لطالما استندت رغبة الولايات المتحدة في غض الطرف عن "البرنامج النووي الإسرائيلي" إلى تصورها لـ "إسرائيل" كدولة ديمقراطية مستقرة ومسؤولة في الشرق الأوسط.
إلا أن مسار الانقلاب القضائي، والدمار الهائل في غزة، والمغامرات العسكرية في إيران، ومساعي ضم الضفة الغربية، كلها عوامل تقوض هذه السياسة التقليدية، ومع تصاعد الأصوات داخل الكونغرس الأمريكي للمطالبة بكشف مستور القدرات النووية لـ "تل أبيب"، تقترب اللحظة الحرجة التي ستُجبر فيها "إسرائيل" على الاختيار بين طموحاتها الاستيطانية "أمورونا" وحماية مفاعلها الاستراتيجي "ديمونا".
زلزال مايو والشرخ الأول في "المحرّم" الأمريكي
شهدت الساحة السياسية الأمريكية سابقة خطيرة كسرت محرّماً راسخاً في السياسة الخارجية لواشنطن؛ ففي خضم المواجهة العسكرية مع إيران، وجّه نحو 30 مشرّعاً ديمقراطياً رسالةً إلى وزير الخارجية "ماركو روبيو" يطالبونه فيها بنشر تقييم الاستخبارات الأمريكية لقدرات "إسرائيل" النووية.
واعتبر المشرعون أن الصمت الرسمي الأمريكي يقوّض مصالح واشنطن، مطالبين بمعرفة ما إذا كانت "إسرائيل" قد أوضحت خطوطها الحمراء التي قد تدفعها لاستخدام الأسلحة النووية المنسوبة إليها.
يمثل هذا الطلب أول شرخ علني في الحماية الدبلوماسية الدقيقة التي توفرها الولايات المتحدة للمشروع النووي الإسرائيلي منذ عقود.
ويأتي حراك الكونغرس كتعبير عن انهيار مكانة "إسرائيل" الدولية، وهو انهيار لا تمنحه الأوساط الرسمية والشعبية في "إسرائيل" الاهتمام الكافي، وتكتفي بإرجاعه إلى "معاداة السامية" والنفاق الدولي الذي يمكن علاجه بـ "الدعاية" وتحسين العرض.
لكن الواقع يشير إلى أن السلوك السياسي والعسكري في غزة، وإرهاب المستوطنين في الضفة، وجر الرئيس "دونالد ترامب" إلى مواجهة إقليمية غير محسوبة مع إيران، كلها عوامل أثارت مخاوف حقيقية في الغرب من صعود حكومة استبدادية، عنيفة، وغير عقلانية تمتلك ترسانة نووية.
تاريخ "الغمزة الاستراتيجية" ومفهوم الغموض النووي
تعتمد "الدبلوماسية النووية الإسرائيلية" على لعبة مزدوجة قبلها المجتمع الدولي لعقود؛ حيث تفترض القوى العالمية امتلاك "إسرائيل" برنامجاً عسكرياً متقدماً رغم عدم توقيعها على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وخروج منشآتها عن التفتيش (باستثناء مفاعل سوريك)، وفي المقابل يقبل العالم تعهد "إسرائيل" بأنها "لن تكون أول من يُدخل السلاح النووي للشرق الأوسط".
لقد تأسس هذا الغموض بناءً على تفاهمات تاريخية سريّة جرت في سبتمبر 1969 بين رئيسة وزراء العدو السابقة "غولدا مائير" والرئيس الأمريك السابقي "ريتشارد نيكسون"، حيث تعهدت "إسرائيل" بعدم إجراء تجارب أو إعلانات علنية، مقابل سحب واشنطن مطلب انضمامها لمعاهدة عدم الانتشار وعرقلة أي قرارات دولية تلزمها بالتفتيش.
ورغم الهزات المتتالية التي تعرضت لها هذه السياسة – مثل تسريبات "مردخاي فعنونو" لصحيفة "صنداي تايمز" عام 1986، وقرار مجلس الأمن رقم 487 لعام 1981 عقب قصف مفاعل "أوسيراك" العراقي، والقرار العربي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2009 إبان ولاية "باراك أوباما" – إلا أن المظلة الأمريكية بقيت صامدة حتى بدأت تنهار داخل أروقة الكونغرس مؤخراً.
تآكل الإجماع الأمريكي وتداعيات حرب "زئير الأسد"
أظهرت استطلاعات الرأي (مثل استطلاع مؤسسة غالوب) تحولاً تاريخياً غير مسبوق، حيث انخفض تأييد الأمريكيين لـ "إسرائيل" إلى 36% مقابل 41% للفلسطينيين، وتعمق الشرخ داخل الحزب الديمقراطي الذي بات 65% من أعضائه يدعمون الجانب الفلسطيني.
ولم تقتصر المعارضة على القواعد الشعبية، بل تُرجمت في مجلس الشيوخ عبر مشروعات قوانين قادها ديمقراطيون للحد من المساعدات العسكرية وحظر تصدير المعدات الثقيلة وقنابل معينة، بل إن منظمات صهيونية ليبرالية مثل "جيه ستريت" باتت ترى في المساعدات الأمريكية عبئاً سياسياً يغذي الاستقطاب.
وجاءت جولة الحرب الأخيرة مع إيران، والمعروفة باسم "زئير الأسد" (فبراير - أبريل 2026)، لتعمق هذا المأزق؛ إذ نُظر إلى إسرائيل على أنها الطرف البادئ بالهجوم وليس المدافع عن النفس، مما أجج الحجة القائلة بأن "تل أبيب" تجر واشنطن إلى صراعات مكلفة لا تخدم المصالح الأمريكية.
كما كشفت الحرب عن إخفاق استراتيجي تسبب في عزلة "إسرائيل"؛ فلم تنجح في إسقاط النظام الإيراني، ولا تفكيك برنامجه النووي، وظلت الجبهة اللبنانية دامية ومفتوحة، مما أظهر للعالم أن "إسرائيل" تراجعت في قائمة أولويات الإدارة الأمريكية الإقليمية لصالح دول الخليج.
غزة والضفة والتحذيرات الأمنية من "الدولة المنبوذة"
ساهم الدمار الواسع في غزة، والتخريب المتعمد لنظام المساعدات الإنسانية، ورفض التحقيق في الشبهات الجدية لارتكاب جرائم حرب، في تسريع عزل "إسرائيل" وتحويلها إلى "دولة منبوذة".
وفي مقال محوري للسيناتور الديمقراطي البارز "كريس فان هولين" في صحيفة "نيويورك تايمز"، حذر من أن استمرار الاحتلال سيقود إما إلى دولة فصل عنصري أو طرد للفلسطينيين، داعياً واشنطن لإعادة النظر في دعم حل "الدولة الواحدة" المتساوية في الحقوق إذا فشلت جهود إنهاء الاحتلال، وهو الحل الذي يمثل الضربة القاضية للمشروع الصهيوني لغياب الأغلبية اليهودية فيه.
هذا الترابط الوثيق بين الشرعية الدولية والترسانة النووية حذر منه قادة المنظومة الأمنية في "إسرائيل" سابقاً؛ حيث أشار رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق "شلومو غازيت" عام 1992 إلى أن الخطوات الاستفزازية مثل بناء المستوطنات الإشكالية والتهجير ستدفع واشنطن في النهاية للقبول بفرض عقوبات دولية على برنامج إسرائيل النووي.
وبناءً على ذلك، ركزت "إسرائيل" طوال العقود الماضية على إبراز هويتها كـ "ديمقراطية مستقرة ومسؤولة" تميزها عن الأنظمة الديكتاتورية التي تنتهك المعاهدات مثل العراق وسوريا وإيران، وهو المفهوم الذي نسفه تماماً الانقلاب القضائي لـ "حكومة نتنياهو" وتصريحات وزرائه المتطرفين.
التفريط بالانضباط النووي وفقدان العقلانية
شهدت المرحلة التي تلت 7 أكتوبر 2023 انهياراً في ا"لانضباط النووي الإسرائيلي" من قِبل أعضاء الائتلاف الحاكم؛ حيث دعت عضو الكنيست "تالي غوتليب" علناً إلى استخدام صواريخ "أريحا" (النووية) ضد غزة، وصرح وزير التراث "أميخاي إلياهو" بأن إلقاء قنبلة نووية على القطاع هو أحد الخيارات، دون أن يتخذ "نتنياهو" أي إجراء عقابي ضدهما حفاظاً على سلامة ائتلافه.
هذا السلوك الاستعراضي دفع شخصيات أمنية بارزة، مثل المدير العام السابق لهيئة الطاقة الذرية "زئيف سنير" ونائبه الأسبق الدكتور "إيلي ليفيتا"، للتحذير من أن "الثورة القانونية" والخطاب المتطرف يقوضان الفرضية الدولية بأن التهديد يأتي من إيران وليس من "إسرائيل"، وأن غياب التوازنات الديمقراطية سيحرم إسرائيل من الحماية الأمريكية.
سيناريوهات المستقبل: نموذج "كامب ديفيد" أو مصير "إسبرطة" المعزولة
يضع هذا التآكل الاستراتيجي إسرائيل أمام سيناريوهين أحلاهما مرّ:
- السيناريو الأول (الابتزاز السياسي المباشر): أن يقوم رئيس أمريكي مستقبلي بربط تجديد التفاهمات الاستراتيجية وحماية "ديمونا" بمطالب سياسية حاسمة مثل التقدم نحو حل الدولتين وإخلاء المستوطنات.
وهو سيناريو جرى التلميح لحدوثه تاريخياً في كامب ديفيد عام 1978، عندما هدد الرئيس "جيمي كارتر" رئيس الوزراء "مناحيم بيغن" برفع الحماية عن "ديمونا" إذا رفض إخلاء مستوطنات سيناء، مما أجبر الأخير على الانصياع لقناعته بأن الأمن النووي فوق كل اعتبار استيطاني.
وإذا تكرر هذا السيناريو مع حكومة يمينية متمسكة بالمستوطنات، قد تجد إسرائيل نفسها مجبرة على تقديم تنازلات كبرى رغماً عنها ودون مراعاة لاعتبارات أمنها القومي. - السيناريو الثاني (المواجهة والتحول إلى دولة منبوذة): أن ترفض "الحكومة الإسرائيلية" منطق "بيغن" وتفضل التضحية بالمظلة الأمريكية للحفاظ على الاستيطان والضم.
في هذه الحالة، ستواجه إسرائيل عقوبات دولية قاسية وحظراً اقتصادياً وعسكرياً مطولاً يشبه العقوبات التي فُرضت سابقاً على العراق وإيران وكوريا الشمالية، مما سيهدد قدرة الدولة على البقاء؛ فكما أكد "زئيف سنير": "بدون الدعم الأمريكي وحق النقض في مجلس الأمن، لن يكون لدولة إسرائيل وجود".
الخلاصة: حتمية خيار الدولتين
لتجنب الانهيار الشامل وفقدان الملاذ الآمن، يتوجب على أي "حكومة إسرائيلية" قادمة إدراك التكلفة الباهظة لتجاهل الصلة بين القوة العسكرية والشرعية الدولية، واعتماد "حل الدولتين" كهدف استراتيجي يضمن تفكيك البؤر الاستيطانية وإعادة تأهيل سلطة فلسطينية مسؤولة بالتعاون مع الدول العربية المعتدلة.
إن التحذير الذي أطلقه المسؤول الجنوب أفريقي السابق "ديف ستيوارت" عام 2010 يلخص المشهد بدقة؛ حيث نبّه إسرائيل من واقع تجربة نظام الفصل العنصري قائلاً: "إن لم تتجهوا نحو حل الدولتين الآن باختياركم، سيفرض عليكم العالم في نهاية المطاف حل الدولة الواحدة، ولن يروق لكم ذلك حتماً".
المصدر: " تيلم أو رابينوفيتش"، باحث أول، معهد فريمان-سبولي للشؤون الدولية، جامعة ستانفورد