ترجمة الهدهد

أكد الباحث "شاؤول أرييلي" رئيس مجموعة أبحاث "تمرور-بوليتوغرافيا"، أن الحديث عن احتمالية اندلاع حرب أهلية داخل كيان العدو لم يعد مجرد مبالغة بلاغية، بل تحول إلى واقع يترجمه العنف السياسي اليومي، والعصيان المدني، وتآكل التماسك الاجتماعي، وانهيار الثقة بالمؤسسات الرسمية.

وأوضح في تحليل صحفي أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على ممارسات حكومة "بنيامين نتنياهو" الحالية فحسب – رغم تسريعها للانهيار – بل تعود جذورها إلى عقد من الزمن بسبب الهروب المستمر من حسم خياري "الدولتين" أو "الدولة الواحدة"، وهو ما قاد الكيان تدريجياً نحو الفوضى الحكومية، وتسييس الأجهزة الأمنية، وانهيار سيادة القانون، وتراجع مكانة "إسرائيل" الدولية وتعميق ضمها الفعلي للأراضي الفلسطينية بين نهر الأردن والبحر دون تحمل أي مسؤولية مدنية عنها.

ويكمن جوهر هذا الانقسام الكارثي في الصدام المباشر بين ثلاثة معسكرات أيديولوجية متضاربة لم يعد بإمكانها العيش تحت سقف دستوري واحد؛ حيث يربط المعسكر "المسياني" فكرة فلسطين الكاملة بتغيير اللعبة الديمقراطية معتبراً التنازل عن الأراضي ارتداداً دينياً، بينما يرى المعسكر "الصهيوني الديمقراطي" أن استمرار السيطرة على الفلسطينيين وتدمير القضاء يهددان وجود "إسرائيل" كـ "دولة يهودية وديمقراطية"، في حين يقاتل معسكر "الحريديم" لترسيخ نزعتهم الانفصالية ومزاياهم المالية والتهرب من التجنيد العسكري.

وقد تفاقم نضال "الحريديم" بشكل عنيف عقب قرار المحكمة العليا في يونيو 2024 وأبريل 2026 بوقف تمويل المعاهد الدينية وفرض عقوبات مالية على المتهربين، مما أطلق موجة مظاهرات عارمة عمقت الشرخ المجتمعي حول "مصدر السيادة".

وينعكس هذا التطرف الداخلي الحاد بوضوح في مؤشرات خطيرة أبرزها تنامي خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث تظهر البيانات استحواذ قضية الضم على 38.51% من النقاشات بتأييد جارف يصل إلى 84.3%، مقابل تراجع كبير لحل الدولتين الذي حظي بنسبة 21.37% فقط وسط معارضة بلغت 82.8% من المنشورات، مما يؤكد غياب أي رغبة في الحلول الوسطى.

وتتزامن هذه المؤشرات مع هجرة عكسية واسعة النطاق تعبر عن انعدام ثقة المستوطنين في مستقبلهم؛ إذ كشف تقرير لمركز معلومات الكنيست ومكتب الإحصاء المركزي عن مغادرة نحو 140 ألف شخص خلال الفترة من 2022 إلى 2024، تلاها خروج أكثر من 69 ألف "إسرائيلي" عام 2025 مقابل انخفاض حاد في أعداد المهاجرين الوافدين إلى نحو 24.6 ألفاً فقط، مما يعني نزيفاً هائلاً للموارد البشرية والمالية.

ويتصاعد الخطر الميداني بشكل مقلق قبيل الانتخابات القادمة وفي خضم أزمة ثقة حادة تغذيها تعيينات كبار المسؤولين المتسارعة من قِبل رئيس وزراء متهم بجنايات ويتحمل مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر؛ حيث يستعد الائتلاف الحاكم لشيطنة أي خسارة محتملة واعتبارها سرقة من "النخب" والمحكمة العليا، في حين سترى المعارضة في أي فوز آخر للائتلاف تفويضاً كاملاً لاستكمال الانقلاب القضائي والضم الفعلي. وفي مقال سابق له نشرته صحيفة "هآرتس"، حذر الباحث من هذا المنزلق الفوضوي الذي لن يبدأ بالضرورة كمعارك شوارع منظمة، بل عبر فقدان الدولة التدريجي لقدرتها على حماية مواطنيها، وتحول القانون إلى مستنقع للفساد، وظهور ميليشيات مسلحة موازية للجيش.

وفي نهاية المطاف، يرى "أرييلي" أن النجاة من خطر الحرب الأهلية وتفكك الدولة تفرض على قادة الأحزاب التوقف عن إدارت الصراع وتقديم بدائل حاسمة وواضحة للناخبين للاختيار بين: دولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية بحدود معترف بها أو نظام هيمنة يهودية في فضاء ثنائي القومية، وبين جيش للدولة أو ميليشيات سياسية، وبين سيادة القانون أو الولاء الشخصي.

ويختتم تحليله بالإشارة إلى أن شعارات مثل "معاً سننتصر" لن تمنع الكارثة الحتمية، مالم يتم تحديد مفهوم "التضامن المشترك" بدقة وحسم الصراع الأيديولوجي لصالح أحد المعسكرين لإنقاذ هيكل الدولة من الانهيار التام.

المصدر: "هآرتس"/ "شاؤول أرييلي"، رئيس مجموعة أبحاث "تمرور-بوليتوغرافيا".