الاستقرار أولاً ثم الاقتصاد لاحقاً.. الاختبار الحقيقي للاتفاق مع لبنان
ترجمة الهدهد
يواجه الاقتصاد اللبناني تحدياً كارثياً غير مسبوق أدى إلى شلل كامل في قطاعات الإنتاج والتجارة والزراعة والسياحة، وسط تقديرات تشير إلى وصول الأضرار المباشرة وغير المباشرة لجولة القتال الأخيرة لنحو 20 مليار دولار.
وبحسب تقرير تحليلي للمحلل "دورون بيسكين" نشرته صحيفة "كلاكيست"، فإن الحرب الحالية ستعمق الأزمة المستمرة منذ عام 2019، في وقت حذر فيه المسؤول اللبناني "ياسين جابر" من انكماش الاقتصاد بنسبة تتراوح بين 7% و10% هذا العام، لتقف الحكومة عاجزة بعد تخصيص 50 مليون دولار للنازحين مقابل مساعدات دولية لم تتجاوز 100 مليون دولار، مما دفع البلاد للاعتماد على القروض ومنها 200 مليون دولار من البنك الدولي ومنحة أوروبية بـ45 مليون يورو.
وتأتي هذه التداعيات الاقتصادية القاسية لتتجاوز تقديرات البنك الدولي السابقة التي رصدت أضرار الحرب الممتدة بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2024 بنحو 14 مليار دولار، شملت خسائر مادية في البنية التحتية بـ 6.8 مليار دولار، وقطاع الإسكان بـ 4.6 مليار دولار، إلى جانب خسائر قطاعية أخرى بلغت 3.4 مليار دولار، علماً أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار كانت تُقدر قبل تفاقم الوضع الحالي بنحو 11 مليار دولار.
وفي محاولة لوضع حد لهذا النزيف، رهن "اتفاق واشنطن الإطاري" الذي وُقّع مؤخراً بين لبنان وكيان العدو أي خطة إنقاذ اقتصادي مستقبلية بتهيئة الحد الأدنى من الاستقرار الأمني وفرض السيادة.
حيث جاء الاتفاق عقب أربعة أيام من المحادثات الشاقة التي وصفتها مصادر مطلعة بأنها "أسوأ" جولة مفاوضات أصر الأمريكيون على إنجاحها، وجرى التوقيع بحضور السفير اللبناني وسفير كيان العدو وبإعلان من وزير الخارجية الأمريكي "ماركو روبيو"، مؤكداً على ترتيبات ميدانية تشمل مراقبة الجيش الأمريكي لمناطق تجريبية محددة، في حين يمتنع جيش العدو عن الانسحاب من قلعة "الشقيف" محتفظاً بتواجد على الخط الأصفر، وسط غياب تام لأي خطة اقتصادية منظمة أو التزامات خليجية ودولية علنية لضخ المليارات.
وتتجه الأنظار اقتصادياً نحو آلية "المناطق التجريبية" التي سينسحب منها جيش العدو وينتشر فيها الجيش اللبناني بمساعدة أمريكية لضمان خلوها من مقاتلي حزب الله؛ إذ يمثل نجاح هذا النموذج ميدانياً عودةً للسكان وفتحاً لخطوط التجارة والمساعدات الدولية، بينما يعني فشله تحول الاتفاقية برمتها إلى مجرد وثيقة سياسية بلا أفق، لا سيما وأن المعارضة الشرسة من حزب الله التي تصف الاتفاق بأنه "مسار تنازلات بلا رجعة" تزيد من مخاطر الشلل السياسي وتجدد القتال، وهو ما ينفر المانحين والمستثمرين من سوق لا تملك فيه الدولة قرار الحرب والسلام.
وفي نهاية المطاف، يؤكد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن الاستقرار الميداني وحده لن يكون كافياً لإنعاش البلاد واستئناف النمو المستدام – الذي كان يُتوقع أن يصل إلى 3.5% في 2025 و4% في 2026 – بل يتطلب ذلك تنفيذ إصلاحات هيكلية جذرية ومطالب بها منذ سنوات، تشمل إعادة هيكلة النظام المصرفي، ووضع إطار مالي متوسط الأجل، وتسوية الديون السيادية. وبناءً على ذلك، لا يضمن الاتفاق الإطاري تدفقاً فورياً للأموال، بل يمنح لبنان فرصة مشروطة لإقناع العالم بجدوى الاستثمار فيه، وهي فرصة مرهونة بثلاثية: الاستقرار على الأرض، الدور الفعال للجيش اللبناني، وجدية الحكومة في المضي قدماً بالإصلاحات.