ترجمة الهدهد

يمثل تهديد الطائرات المسيّرة المتفجرة في الجبهة الشمالية للكيان صداعاً مزمناً لمنظومات الاستخبارات والتخطيط العسكري؛ إذ يظل من الصعب التنبؤ بمسارات انطلاقها، أو تحديد هويّة أهدافها وتوقيت هجماتها بدقة.

وفي حين يعتمد الجيل الأحدث من مسيّرات حزب الله على تقنية التوجيه عبر الألياف الضوئية الممتدة لعدة كيلومترات بهدف تحييد منظومات التشويش الإلكتروني – وهو أسلوب استوحي مباشرة من دروس الحرب الروسية الأوكرانية – فإن جيوش العالم تتابع عن كثب ابتكارات تلك المعركة، إدراكاً منها بأنها ستشكل ملامح الحروب المستقبلية.

وفيما يلي قراءة تحليلية لستة توجهات بارزة رُصدت على جبهة أوكرانيا، ومدى قابليتها للتطبيق والنجاح إذا ما تبناها حزب الله في بيئة الشرق الأوسط الجغرافية والعسكرية:

1. التكتيك الانزلاقي المزدوج (اختراق-انزلاق)

يعتمد هذا الأسلوب المجرّب في شرق أوكرانيا على استهداف القواعد والمواقع الأمامية الثابتة عبر طائرتين مسيّرتين متتاليتين؛ تقوم الأولى بضرب سطح المبنى لفتح ثغرة، بينما تنفذ الثانية عبر تلك الفجوة لتفجير شحنة عنقودية بالداخل.
ورغم عدم فعاليتها ضد الحصون الخرسانية، إلا أنها تحقق أضراراً بالغة ضد الهياكل الخفيفة مثل الحاويات والمقطورات.

وعلى الجبهة الشمالية للكيان، يمتلك حزب الله القدرة على تنفيذ هجمات مشتركة ومتزامنة، إلا أن هذا التكتيك يعيبه الوضوح البصري الذي يسهل رصده وإسقاط الطائرات قبل إتمام ضرباتها المتتالية.
علاوة على ذلك يتطلب الأمر معلومات استخباراتية دقيقة لتحديد وظائف المباني، ناهيك عن سهولة إحباط هذا التهديد عبر نشر شبكات واقية فوق الأسطح لالتقاط المسيّرات قبل ملامسة صواعقها للهدف، وهو الأسلوب الذي يطبقه الروس بنجاح نسبي.

2. ملفات الألياف الضوئية الكبيرة وعمق العمليات

يرتبط مدى المسيّرة الموجهة سلكياً بقوة بطاريتها وطول لفافة الألياف الضوئية التي تحملها. فبينما تقتصر الملفات التقليدية في أوكرانيا على مسافة 10 كيلومترات، رُصد مؤخراً استخدام لفافات متطورة تتيح الطيران لمسافات تصل إلى 30 و60 و75 وحتى 100 كيلومتر.

وفي السياق اللبناني، يتيح هذا التطور نظرياً لحزب الله ضرب أهداف في عمق الكيان متجاوزاً المدى المعتاد لقذائفه الصاروخية. كما تمنح اللفافات الطويلة مشغلي المسيّرات مرونة تكتيكية عالية تسمح بالطيران المتعرج والمنخفض خلف التضاريس لتجنب الرادار، والالتفاف لضرب الأهداف من الخلف. ونظراً لأن تكلفة ملف بطول 30 كيلومتراً لا تتعدى سعر هاتف ذكي، فإن هذا التحول يبدو خياراً اقتصادياً وفي متناول ميزانية الحزب.

3. الكمائن الأرضية المموهة

تقوم القوات في أوكرانيا بروتينياً بنشر مسيّرات مخبأة في الأحراش وعند تقاطعات الطرق الحيوية، ليتم تفعيلها فور اقتراب تعزيزات وقوافل إمداد العدو لضربها من مسافة صفر.
غير أن هذا التكتيك يفرض استخدام الاتصالات اللاسلكية أو الخلوية عوضاً عن الألياف الضوئية، نظراً لخطورة انقطاع السلك أو سحبه بواسطة الآليات إذا بقيت المسيرة أسابيع في خندقها.
وتكمن خطورة هذا الأسلوب في قصر وقت الاستجابة، مما يحيد منظومات الحرب الإلكترونية التي لن تجد الوقت الكافي للتشويش والتعطيل.

ويبدو هذا السيناريو أقل احتمالاً في القطاع اللبناني نظراً لقصر نطاق العمليات الميدانية بالأساس، بيد أن العدو قد يلجأ إليه لإعاقة أي تحرك بري نحو الشمال. وتظل التضاريس الجبلية اللبنانية الوعرة والغطاء النباتي الكثيف عائقاً أساسياً أمام هذا التكتيك، إذ يتطلب آليات هبوط ميكانيكية خاصة لضمان بقاء المسيّرة مستقيمة وجاهزة للإقلاع دون الانقلاب على جانبها.

4. أتمتة الطيران والذكاء الاصطناعي

لا يعني هذا التوجه وجود مسيّرات مستقلة بالكامل، بل يركز على خوارزميات أتمتة متطورة؛ حيث يتولى النظام الأول الملاحة الذاتية عبر نقاط جغرافية محددة مسبقاً، بينما يقتصر دور العنصر البشري على المراقبة. وفور وصول المسيّرة لمنطقة الهدف، يتدخل نظام توجيه بصري يثبت الكاميرا على الهدف (كدبابة أو طائرة في مطار)، مما يمكن المشغلين غير المهرة من تحقيق إصابات مباشرة حتى للأهداف المتحركة بشرط وضوحها.

وتستفيد أوكرانيا في هذا المجال من طبيعة أراضيها المسطحة التي تفتقر لأماكن الاختباء، كما توظف ميزة تبادل البيانات الآلي بين طائرات الاستطلاع ومسيّرات الهجوم. وتعمل شركات أوكرانية مثل "سوارمر" و"فورث لو" على تطوير خوارزميات هجوم مستقلة بالكامل.
وعلى الصعيد اللبناني، يصعب على الحزب تطوير هذه التقنيات ذاتياً، لكنه يستطيع الحصول على مكوناتها الجاهزة كخوارزميات الملاحة المستقلة المتاحة في المسيرات الإيرانية مثل "شاهد 136"، مما يقلص زمن تدريب عناصره ويزيد من وتيرة الهجمات.

5. الترويع السيكولوجي والحرب النفسية

تحولت مقاطع فيديو توثق مطاردة المسيّرات للجنود الروس على جبهات أوكرانيا إلى مادة واسعة الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث تظهر اللقطات مسيّرات تحاصر جندياً منفرداً وتناور حوله قبل الانقضاض عليه، وهو أسلوب متعمد لترويع الجنود وتقويض معنويات البيئة الحاضنة لهم.
ورغم أن الواقع الفعلي يشير إلى أن نسبة نجاح هذه الهجمات لا تتعدى 40% نتيجة الأعطال الفنية والتشويش والمهارات الفردية في إسقاطها، إلا أن الآلة الإعلامية لا تنشر سوى الضربات الناجحة.

وفي لبنان، ينشر حزب الله بانتظام لقطات عمليات مسيّراته على الإنترنت، وقد يحاول التركيز على استهداف الأفراد لغرض الحرب النفسية إن أتيحت له الفرصة.
ومع ذلك فإن الفارق في كفاءة وتجهيز وتدريب جنود الجيش الإسرائيلي مقارنة بالمجندين الروس يقلل من فرص نجاح هذه المطاردات الفردية؛ خصوصاً مع استخدام قوات جيش العدو لقذائف "هوروشوك" المتشظية الفعالة في إسقاط المسيّرات، والتي تتفوق على نظيرتها الروسية "مانوغاتوشيا" محدودة التوزيع والشظايا.

6. مسيّرات اصطياد الأهداف الجوية

إلى جانب الصواريخ والمنظومات الخاصة مثل الطائرة الإيرانية "صقر 358" المصممة لنصب كمائن جوية، برز في أوكرانيا توجه متسارع لتطوير مسيّرات اعتراضية صغيرة الحجم تقوم باصطياد طائرات الاستطلاع والمسيّرات الانتحارية الأخرى بعد رصدها عبر مستشعرات مخصصة لتوجيه فريق الاعتراض.

أما بالنسبة لحزب الله، فمن المستبعد تبني هذا الأسلوب حالياً؛ لأن مستشعرات جيش العدو الجوية تحلق على ارتفاعات شاهقة يصعب استهدافها بمسيّرات صغيرة، كما أن الحزب يكتفي بالاعتماد على الصواريخ المحمولة على الكتف وما تبقى لديه من طائرات "صقر 358".

علاوة على ذلك، فإن نجاح مسيرات الاعتراض الجوي يرتكز أساساً على وجود منظومة استشعار ورصد شاملة وحساسة للغاية – وهي المنظومة المتوفرة لدى الأوكرانيين والتي يفتقر إليها عناصر الحزب، بل ولا تزال تشكل تحدياً تكنولوجياً وبيروقراطياً تسعى الأوساط العسكرية والمدنية في كيان العدو لحسمه وتطوير استجابة منهجية له.

المصدر: "كلاكيست"