ترجمة الهدهد

بينما يترقب الشرق الأوسط مفاعيل الاتفاق الإطاري المبرم في واشنطن بين كيان العدو ولبنان، وما قد يفرضه من واقع ميداني جديد يتمثل في احتمال مد "خط ساخن" للتنسيق العسكري المباشر بين "تل أبيب" وبيروت، تطفو على السطح سجالات حادة تعيد صياغة مفاهيم التحالف التقليدي بين "إسرائيل" والولايات المتحدة.

وتأتي هذه السجالات مدفوعة بضغوط الإدارة الأمريكية برئاسة "دونالد ترامب" لفرض تهدئة شاملة، والتلويح بفرملة "الآلة العسكرية الإسرائيلية" في غزة ولبنان وإيران تماشياً مع مصالح واشنطن الكبرى وصراعها الجيوسياسي مع الصين.

وفي هذا السياق، فكك "ديفيد بن بيست" (الرئيس التنفيذي لإذاعة "100FM" والمراسل السابق لشبكة "NBC" التلفزيونية) في مقال له نشرته صحيفة "معاريف"، طبيعة العلاقات الأمنية والاقتصادية بين الكيان وواشنطن، رداً على التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس الأمريكي "جيه دي فانس".

وكان "فانس" قد ألمح إلى أن المساعدات الأمنية الممنوحة لـ "تل أبيب" تمنح واشنطن الحق في مطالبة "إسرائيل" بالامتثال لسياساتها، ملوحاً بفرض قيود أو تأخير في إمدادات الأسلحة؛ وهو ما اعتبره "بن بيست" تصوراً إشكالياً يعكس إلماماً جزئياً بالواقع ومحاولة لترويج صورة منقوصة لغرض الضغط السياسي.

دور "إسرائيل" في العقيدة الأمريكية

تبلغ قيمة المساعدات الأمنية الأمريكية للكيان حالياً نحو 3.8 مليار دولار سنوياً، ضمن اتفاقية ممتدة لعشر سنوات (من 2019 إلى 2028) بإجمالي 38 مليار دولار. وخلافاً للاعتقاد السائد بأن هذه الأموال تُمنح مجاناً، يوضح "بن بيست" أنها ترتيب استراتيجي يخدم مصالح أمريكية بحتة؛ حيث وصف مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى "إسرائيل" مراراً بأنها "حاملة الطائرات الأمريكية التي لا تغرق".

فعندما تتحرك إسرائيل عسكرياً ضد إيران أو حزب الله أو حماس أو الحوثيين، فإنها لا تدافع عن نفسها فحسب، بل تسهم بفاعلية في حماية أمن الدول العربية المعتدلة، وتأمين طرق التجارة الدولية، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وردع الكيانات المتطرفة. وبعبارة أخرى، تؤدي "تل أبيب" دوراً إقليمياً كان سيتطلب لولاها وجوداً عسكرياً أمريكياً أكبر حجماً، وأكثر تكلفة وأشد خطورة على حياة الجنود الأمريكيين.

المساعدات كـ "برنامج توظيف" ومختبر تكنولوجي لـ "واشنطن"

يفند المقال الطبيعة المالية لهذه المساعدات؛ إذ إن معظمها مخصص قانونياً للاستثمار في مشتريات الدفاع الأمريكية لشراء مقاتلات من طرازي "F-35" و"F-15"، ومروحيات "أباتشي"، وأنظمة رادار وقنابل ذكية. هذا يعني أن الأموال لا تبقى في "إسرائيل"، بل تعود مباشرة وضمن دورة اقتصادية مغلقة إلى كبرى شركات السلاح الأمريكية مثل "لوكهيد مارتن"، "بوينغ"، "آر تي إكس"، "نورثروب غرومان"، و"جنرال دايناميكس"، مما يدعم عشرات الآلاف من الوظائف داخل الولايات المتحدة، ويجعل المساعدات بمثابة برنامج توظيف أمريكي مقنّع.

وعلى الصعيد التكنولوجي والمعرفي، شكلت "إسرائيل" لسنوات "مختبراً عملياً فريداً" لاختبار أنظمة الأسلحة، والدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي في ظروف حرب حقيقية.

وتُنقل هذه الخبرات المكتسبة بانتظام إلى الأجهزة الأمنية الأمريكية. ومنذ هجوم 7 أكتوبر، أصبحت "إسرائيل" مصدراً لا يقدّر بثمن للجيوش الغربية في كيفية التعامل مع الأنفاق (الإرهاب السري)، وهجمات الطائرات المسيّرة، وإطلاق الصواريخ الكثيف.

كما أن أنظمة دفاعية بارزة مثل "القبة الحديدية"، "مقلاع داود"، و"حيتس 2" و"حيتس 3"، طُوّرت وأُنتجت بتعاون مشترك، وتُسهم المعرفة المتراكمة منها في حماية المصالح الأمريكية حول العالم، ناهيك عن المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تقدمها تل أبيب بانتظام لإحباط عمليات تستهدف مدنيين وجنوداً أمريكيين.

مقارنة الكلفة: "إسرائيل" مقابل قاعدة "العديد"

يوازن التحليل بين تكلفة المساعدات الموجهة لـ "إسرائيل وتكاليف الوجود العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة؛ فقاعدة "العديد" الجوية الأمريكية في قطر وحدهـا، والتي تضم آلاف الجنود والطائرات، تُقدر تكاليف تشغيلها وصيانتها بنحو مليار دولار سنوياً، يضاف إليها استثمارات لوجستية ضخمة للقوات المنتشرة في الخليج وباقي المنطقة بسبب الخوف الدائم من التهديدات الإيرانية.

في المقابل، لا تحتاج "إسرائيل" إلى تمركز قوات أمريكية على أراضيها لحمايتها؛ بل توفر لواشنطن قدرة ردع إقليمية من الطراز الأول مجاناً، وبناءً على ذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس كم تبلغ تكلفة المساعدات، بل كم كانت ستتكلف خزينة دافع الضرائب الأمريكي للحفاظ على مصالحه الحيوية في الشرق الأوسط لولا وجود "إسرائيل" كشريك استراتيجي.

السيادة الوطنية ورفض منطق الإملاءات

ينتقد الكاتب بشدة محاولة استخدام مبيعات الأسلحة كورقة ضغط لفرض إملاءات سياسية، معتبراً أن ذلك يطالب دولة ذات سيادة بالتخلي عن سلطتها التقديرية في مجال أمنها القومي، وهو سلوك لا تقبله الولايات المتحدة نفسها من أي دولة أخرى.

ووجّه "بن بيست" سؤالاً مباشراً لـ "نائب الرئيس فانس": كيف سترد الولايات المتحدة إذا قُتل مئات من مواطنيها في هجمات صاروخية عقب وقف إطلاق نار فُرض عليها من الخارج؟ هل كانت واشنطن ستقبل بأن يمنعها طرف أجنبي من حماية شعبها؟

الشراكة في "دوامة الكبار"

تتقاطع هذه الرؤية مع التحليلات التي تشير إلى أن "إسرائيل"، رغم قوتها وموقعها كشريك رابح للولايات المتحدة، تجد نفسها اليوم محاصرة في "دوامة صراع الكبار"؛ حيث تحرك واشنطن خيوط اللعبة الإقليمية – سواء عبر اتفاق واشنطن الإطاري في لبنان أو مفاوضات سويسرا مع إيران – بناءً على مصالحها الحصرية واستراتيجيتها الكونية الرامية إلى سحب طهران من "الحضن الصيني".

وإذ تؤكد الحقائق أن "التحالف الإسرائيلي الأمريكي" لا يقوم على الشفقة أو الكرم أحادي الجانب، بل على منفعة متبادلة واستثمار ذي عائد استراتيجي استثنائي، فإن محاولة فرض اتفاقيات سياسية تفتقر إلى الرؤية الوطنية المستقلة قد تضع "تل أبيب" قريباً في موقف حرج، تجد نفسها فيه عرضة للمساءلة الدولية والمطالب المصيرية، وسط إقليم يموج بالتحولات من جبهة الشمال إلى مياه الخليج.

المصدر: "معاريف"/ "ديفيد بن بيست"/ الرئيس التنفيذي لإذاعة 100FM