ترجمة الهدهد

بينما يعيش الإقليم تحولات متسارعة تفرضها الاتفاقيات الإطارية والخطوط الساخنة الناشئة تحت مجهر واشنطن وبكين، يواجه المطبخ السياسي في "تل أبيب" معضلة داخلية مزمنة تتعلق بهوية القيادة القادرة على إدارة أزمات "إسرائيل" المحلية والدولية.

وفي وقت تعاد فيه صياغة مفهوم التحالفات الاستراتيجية، يبرز سؤال جوهري في "الداخل الإسرائيلي": هل يمكن للمؤسسة العسكرية الصارمة أن تخرّج قادة سياسيين بارعين، أم أن حسابات السرايا الحكومية تختلف تماماً عن تراتبية القيادة العسكرية؟

هذا التساؤل فككته الكاتبة والإعلامية "جيولا إيفين ساعر" (زوجة السياسي الإسرائيلي جدعون ساعر) في مقال تحليلي، انطلقت فيه من حادثة تاريخية جرت في السادس من فبراير/شباط 2011، حين ألغت الحكومة تعيين اللواء "يوآف غالانت" رئيساً لأركان جيش العدو، وعُرض المنصب على اللواء "غادي آيزنكوت" الذي رفضه حينها، مبرراً (وفق بعض الروايات) بأنه من الأفضل تعيين "بيني غانتس" ليكتسب رئيس الأركان خبرة أولية كنائب لرئيس الأركان، وهو المنصب الذي لم يكن "آيزنكوت" قد شغله بعد.

وتتساءل "ساعر": إذا كان اللواء في الجيش لا يُعيّن رئيساً للأركان قبل أن يشغل منصب النائب ويكتسب الخبرة التراتبية، فكيف يمكن لـ "الجمهور الإسرائيلي" أن يندفع لاختيار شخص يفتقر تماماً للخبرة السياسية والوزارية لمنصب رئيس الوزراء – الذي يُعد أعقد منصب في العالم؟ وتأتي هذه التساؤلات في وقت يتقدم فيه "آيزنكوت" بقوة في استطلاعات الرأي، متفوقاً على "نفتالي بينيت" الذي تراجعت شعبيته سابقاً بسبب مهاراته السياسية المحدودة خلال فترة ولايته القصيرة.

"آيزنكوت" والركود البرلماني: صفر خبرة تنفيذية

تُخضع "ساعر" السيرة الذاتية لـ "آيزنكوت" لتقييم سياسي صارم؛ مشيرة إلى أنه لم يشغل منصب وزير تنفيذي في أي وزارة ولو لدقيقة واحدة، وكل ما حظي به هو منصب "وزير بلا حقيبة" لعدة أشهر دون حق إدارة أي مكتب وزاري.

كما أنه قضى أقل من دورة واحدة في الكنيست دون أي إسهام يُذكر في العمل البرلماني، وترأس حزباً (غير ممثل حالياً في الكنيست) لأقل من عام، مما يجعله يفتقر لأدنى مقومات النضج السياسي المطلوبة لقيادة الدولة.

مقبرة الجنرالات: دروس التاريخ من "رابين" إلى "غانتس"

يستعرض المقال تاريخاً حافلاً بالجنرالات ورؤساء أركان جيش العدو الذين ظنوا أن بإمكانهم القفز مباشرة من قيادة الجيش إلى قمة الهرم السياسي، لكنهم اصطدموا بواقع معقد أدى إلى فشلهم:

  • "إسحاق رابين": تُظهر المقارنة بين ولايتيه الفارق الذي تصنعه الخبرة؛ فالولاية الأولى (1974-1977) التي تلت توليه وزارة العمل لفترة وجيزة، كانت مليئة بالأزمات وانتهت بفضيحة حساب الدولار واستقالته. أما ولايته الثانية الفعالة (1992-1995)، فجاءت بعد عقدين قضاهما في العمل السياسي متناوباً بين المعارضة ووزارة الدفاع في حكومات الوحدة.
  • "أرييل شارون": ارتكب أخطاءً في بداياته عندما أسس حزب "شلومزيون" الذي لم يحصد سوى مقعدين، ولم يصل إلى رئاسة الوزراء إلا بعد ثلاثة عقود تنقل خلالها بين مختلف الوزارات، وخاض معارك سياسية صقلت خبرته المتراكمة، ليصبح لاحقاً رئيس وزراء فعالاً في ملفات محددة كإحباط الانتفاضة الثانية وفك الارتباط.
  • "إيهود باراك": تولى رئاسة الوزراء بخبرة وزراية قصيرة جداً (أربعة أشهر في الداخلية وستة أشهر في الخارجية)، وكان فشله ذريعاً وسقطت حكومته بعد أقل من عامين رغم الأغلبية الساحقة التي نالها في انتخابات 1999 المباشرة.
  • "بيني غانتس": الفريق (احتياط) الذي حصل على فرص انتخابية ممتازة وثقة متكررة من الجمهور في ثلاث جولات، انتهى به الأمر إلى محو إنجازاته السياسية بسبب افتقاره للسلوك السياسي الصحيح.
  • "عمرام متسناع"، "غابي أشكنازي"، و"موشيه يعالون": تجارب عسكرية أخفقت سياسياً؛ فـ "متسناع" خسر أمام "شارون" عام 2003 وأطاح به حزبه لغياب الخبرة البرلمانية، و"أشكنازي" سجل حلقة سياسية قصيرة وعابرة، بينما انتهى المطاف بـ "يعالون" معزولاً وبعيداً عن مراكز السلطة بعد إقالته من وزارة الدفاع.
  • "يغال يادين" و"عيزر وايزمان": قاد "يادين" حزب "داش" لنجاح باهر بـ 15 مقعداً عام 1977 لكن الحزب انهار وتلاشى سريعاً. أما "وايزمان" الذي تولى الدفاع في حكومة "بيغن"، فقد دفعته حدة طباعه للاستقالة وتأسيس حزب "ياحاد" الذي لم يثمر سوى عن ثلاثة مقاعد، لتنتهي مسيرته نحو القيادة بجائزة ترضية تمثلت في منصب رئيس الجمهورية الشرفي.
  • "موشيه دايان": العسكري الفريد ووزير الجيش في حرب الأيام الستة، عجز عن بلوغ رئاسة الوزراء بعد حرب أكتوبر، وتوفي وهو يقود حزب "تيليم" الذي لم يحصد سوى مقعدين في انتخابات 1981.

ادعاء وهمي وتناقض البنية الهرمية

تخلص "ساعر" إلى أن قناعة الجنرالات ورؤساء الأركان بأهليتهم التلقائية لإدارة البلاد – مستندين إلى معرفتهم بالمشكلات الأمنية وحضورهم اجتماعات المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) – هي "ادعاء لا أساس له من الصحة".

فالحياة داخل مؤسسة عسكرية هرمية وصارمة لا تُكسب المرء المهارات المرنة والبراغماتية اللازمة لتأسيس وإدارة ائتلاف برلماني معقد، ولا تؤهله لقيادة "نضال إسرائيل" الدبلوماسي والسياسي على الساحة الدولية، فـ "السياسة الإسرائيلية" شديدة الديناميكية والتعقيد، ووضع شخص عديم الخبرة الحزبية والوزارية على قمة الهرم يبدو فعلاً غريباً في أي مجال، والسياسة ليست استثناءً.

"إسرائيل" في فناء الكبار

تتقاطع هذه الرؤية المحلية مع التحليلات الاستراتيجية الأوسع؛ فبينما يجادل قادة مثل "ديفيد بن بيست" بأن قوة "إسرائيل" تكمن في كونها "حاملة طائرات أمريكية لا تغرق" بفضل تفوقها العسكري واستثماراتها الأمنية المتبادلة مع واشنطن، يرى مراقبون مثل "جاكي حوجي" أن غياب الرؤية السياسية الوطنية المستقلة يحوّل "إسرائيل" إلى مجرد راكب في "دوامة صراع الكبار" تحركه المصالح الأمريكية العليا وحسابات "ترامب" الجيوسياسية ضد الصين.

وفي ظل هذا التجاذب بين المفهوم العسكري المحض والمناورات السياسية الدولية، تبدو تحذيرات "ساعر" مشروعة؛ إذ إن قيادة الدولة في مرحلة حرجة تتطلب دمجاً عميقاً بين الموهبة والخبرة المتراكمة، وإلا فإن وضع "جنرال بلا حقيبة سياسية" في مقعد القيادة قد يترك "إسرائيل" عاجزة عن تقديم إجابات مصيرية أمام مطالب المساءلة الدولية والتحولات الإقليمية العاصفة.

المصدر: "معاريف"