قراءة للأحداث الجارية اليوم الاحد 28 يونيو 2026
شبكة الهدهد
مقدمة:
يمر المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط بمرحلة إعادة تشكيل بالغة التعقيد، تتداخل فيها المسارات العسكرية الميدانية في قطاع غزة والضفة الغربية مع المسارات الدبلوماسية الإقليمية والدولية. ويأتي هذا التقرير ليقدم تلخيصاً موسعاً وتحليلاً معمقاً لتقدير الموقف الراهن بناءً على آخر التطورات الأمنية، والاتفاقيات الإطارية المستجدة بين إسرائيل ولبنان، والتفاهمات الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على دول الخليج وتركيا، وصولاً إلى الأزمات البنيوية داخل المنظومة السياسية والقانونية الإسرائيلية.
أولاً: الأوضاع الميدانية والأمنية في فلسطين
- قطاع غزة: تصعيد مستمر وصراع استخباري في الجبهة الداخلية
- العمليات العسكرية واستهداف المدنيين: تشهد مختلف مناطق قطاع غزة عمليات قصف مدفعي وجوي مكثفة؛ حيث تركز القصف في مناطق "العطاطرة" شمالاً، والأحياء الشرقية لمدينة غزة (مثل حي التفاح ومحيط دوار السنافور ومدرسة الهاشمية)، بالإضافة إلى استهداف خيام النازحين في شارع الجلاء ومواصي خان يونس مما أسفر عن سقوط العديد من الشهداء الأطفال والنساء (مثل الشهيدة الطفلة إسلام حسن أبو شمالة والطفل وليد أبو جزر) وعشرات الإصابات. كما يمارس جيش العدو سياسة نسف وإحراق ما تبقى من منازل سكنية في محيط منطقة "الكيبوتس" بحي التفاح.
- المعركة الأمنية وحرب الجواسيس: أعلن أمن المقاومة الفلسطينية عن نجاحه في إحباط مخطط تخريبي قاده العدو، وتمكن من تحييد وضبط خلية عميلة مكونة من 6 أفراد خلال يومين، ومصادرة ما بحوزتهم من أسلحة، معدات، ووسائل اتصال. وأكد البيان أن المعركة الاستخبارية لم تنتهِ بعد وأن ملاحقة خلايا العدو مستمرة لحماية الجبهة الداخلية.
- تفاقم الكارثة الإنسانية: أدان جهاز الدفاع المدني في غزة تنصل ومماطلة بعض اللجان والمؤسسات الدولية (بما فيها اللجنة المصرية) في توفير المعدات الثقيلة اللازمة لانتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض، مما يعوق عمل الأطقم الإنسانية ويزيد من عمق الكارثة.
- الضفة الغربية والقدس: تصاعد الاقتحامات وإرهاب المستوطنين المنظم
- حملات الاعتقال والمداهمات الممنهجة: وسعت قوات العدو عملياتها العسكرية لتشمل اقتحام عشرات البلدات والقرى في نابلس، والخليل، وجنين، ورام الله، وقلقيلية، ومخيم قلنديا بالقدس. وتتخلل هذه الاقتحامات مواجهات عنيفة مع الشبان وتثبيت حواجز عسكرية (مثل حاجز بيت فوريك ومادما) واعتقال أسرى محررين ومطاردين.
- تغول المستوطنين: رُصدت هجمات واسعة النطاق للمستوطنين تضمنت إحراق محيط منازل المواطنين في "خلايل اللوز" ببيت لحم، والاعتداء على المزارعين في ترقوميا، واقتحام جبل بئر قوزا في بلدة بيتا جنوب نابلس. وفي المقابل، برزت حالات تصدٍّ شعبي جماعي أجبرت المستوطنين على التراجع في عدة مناطق.
- واقع الأسرى: أفادت مؤسسات الأسرى بأن سلطات العدو حوّلت السجون والمعتقلات إلى "شبكة منظمة لإنتاج التعذيب" والاضطهاد الممنهج بحق المعتقلين الفلسطينيين.
ثانياً: الاتفاق الإطاري الإسرائيلي-اللبناني وأبعاده الاستراتيجية
1. بنود الاتفاق الإطاري والملحق السري
تمخضت الجهود الدبلوماسية برعاية إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن صياغة اتفاق إطاري يتكون من 14 مادة ينظم العلاقة الأمنية المستجدة على الحدود الشمالية.
- السيادة والترتيبات الميدانية: يقر الاتفاق حق "البلدين" في الوجود بسلام، وينص على انسحاب تدريجي ومشروط للجيش الإسرائيلي خارج الأراضي اللبنانية، مقابل بسط الجيش اللبناني سيادته الكاملة وتوليه المسؤولية الأمنية الفعالة.
- نزع سلاح المقاومة: يشترط الاتفاق تفكيك البنية التحتية ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية (وعلى رأسها حزب الله).
- الملحق الأمني السري: كشفت مصادر عبرية (قناة كان) عن وجود "ملحق أمني سري" غير معلن يتضمن آليات تنفيذ ميدانية صارمة، وبنداً خاصاً يُلزم الجانب اللبناني بالبحث عن رفات الجنود الإسرائيليين المفقودين (وفي مقدمتهم الطيار رون أراد).
2. الانقسام السياسي اللبناني وموقف حزب الله
- رفض حزب الله المطلق: شن الأمين العام لحزب الله (نعيم قاسم) هجوماً لاذعاً على الاتفاق، واصفاً إياه بـ "المهين والمخزي والعار"، واعتبره تنازلاً عن السيادة اللبنانية ومنحاً لشرعية العدو الطويل والسيطرة الإسرائيلية تحت غطاء الإشراف على انتشار الجيش اللبناني. وأكد أن ربط الانسحاب بنزع السلاح هو تجاوز للخطوط الحمراء، مطالباً باستبدال هذا الإطار بمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية. شدد الحزب على أنه لن يترك الميدان ولن يلقي سلاحه.
- موقف المعارضة اللبنانية: في المقابل، يرى المعسكر المناهض لحزب الله في بيروت أن الاتفاق يمثل "إنجازاً تاريخياً" كونه يعزل الحزب دولياً وإقليمياً ويجرده من غطائه القانوني. وحذرت مصادر سياسية لبنائية من أن حزب الله سيعمد إلى ممارسة ضغوط قصوى وعرقلة انتشار الجيش اللبناني ميدانياً لإفشال الاتفاق.
- التوجهات العسكرية للعدو
على الرغم من توقيع الاتفاق والبدء في إعداد خطط الانتشار الجديدة، فإن هناك فجوة داخل المؤسسة الإسرائيلية؛ حيث يحاول قائد المنطقة الجنوبية إقناع هيئة الأركان والمستوى السياسي بتجديد جولة القتال الشاملة في غزة. وتصر إسرائيل على الاحتفاظ بـ "حرية العمل العسكري" لمنع تعاظم قوة حزب الله أو إعادة تسليحه مستقبلاً.
ثالثاً: الأبعاد الإقليمية (التفاهمات الأمريكية-الإيرانية وصراع المصالح)
- معركة مضيق هرمز العسكرية والدبلوماسية
أعقبت حرب "زئير الأسد" (فبراير - أبريل 2026) بين إسرائيل وإيران تفاهمات هشة في واشنطن وسويسرا. إلا أن الواقع الميداني شهد تصعيداً كبيراً؛ حيث نفذت القيادة المركزية الأمريكية ضربات جوية ضد 10 أهداف عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز رداً على استهداف ناقلة النفط "كيكو" بمسيرات إيرانية. وتصر إيران على فرض سيطرتها على المضيق مهددة القواعد الأمريكية في المنطقة.
- المأزق الخليجي والفاتورة "الترامبية"
تسود عواصم الخليج (لا سيما أبو ظبي والدوحة) حالة من الاستياء البالغ تجاه الصياغة الأمريكية للاتفاق مع إيران.
- تطالب الإمارات بضمانات مالية حقيقية وتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والتجارة البحرية قبل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
- ترفض أبو ظبي حالياً تسييل نحو 3 مليارات دولار من الأموال الإيرانية، وتنظر إلى الترتيبات الأمريكية (التي تشمل أيضاً 12 مليار دولار من قطر وأموالاً من العراق) على أنها "مشروع قانون وفاتورة مالية أمريكية مكتوبة بطريقة ترامبية" تُفرض على الخليجيين لتمويل هدوء مؤقت، دون كبح حقيقي لبرنامج إيران النووي أو صواريخها الباليستية.
- المعضلة الاستراتيجية التركية (أردوغان وحسابات الطاقة)
وضعت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية أنقرة أمام مأزق جيوسياسي واقتصادي مزدوج:
- المكاسب الاقتصادية: استفادت تركيا فورياً من انخفاض أسعار الطاقة العالمية نتيجة احتمالية عودة النفط والغاز الإيرانيين بانتظام إلى الأسواق، مما خفف الضغوط التضخمية وحسّن ميزان المدفوعات.
- التهديد الجيوسياسي: يهدد الاتفاق طموح "أردوغان" التاريخي في جعل تركيا "المركز الحصري والوحيد للطاقة" المتوجهة إلى أوروبا. فإذا نجحت طهران في تمرير غازها بأسعار أرخص عبر مسارات بديلة، ستفقد تركيا نفوذها ورسوم العبور. لذلك تسعى أنقرة للتكيف عبر تسريع مشاريع الطاقة البديلة والنووية (مثل محطة أكويو)، ومحاولة لعب دور المراقب أو الضامن لأي تسوية سياسية في لبنان لضمان مصالحها.
رابعاً: الديناميكيات الداخلية للعدو والتفاعلات الدولية
1. التوجهات السياسية لـ "نتنياهو"
يسعى بنيامين نتنياهو إلى استغلال الظرف الراهن لتشكيل حكومة وطنية واسعة بشروطه الخاصة، معلناً صراحةً رفضه القاطع لتشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية أو تتيح المجال لـ "حل الدولتين". ويضع "نتنياهو" شروطاً صارمة تتعلق بقانون التجنيد الإجباري والتشريعات القضائية لضمان تماسك ائتلافه.
- أزمة النظام الديمقراطي والقضائي الداخلي
تعيش "إسرائيل" صراعاً داخلياً حاداً يقوده السلك القانوني ممثلاً في المستشارة القضائية للحكومة، والتي تخوض معارك يومية ضد محاولات الائتلاف الحاكم لتقويض أجهزة إنفاذ القانون والمبادئ الديمقراطية الأساسية. وتشير التقارير إلى وجود هجوم منسق من السلطة السياسية على الجبهات القانونية كافة، وسط تراجع قدرة الإشراف القضائي على الأجهزة التنفيذية والأمنية.
3. تآكل الدعم الأمريكي والأوروبي
أحدثت جولة الحرب الأخيرة أضراراً بالغة بمكانة إسرائيل الاستراتيجية في الغرب:
- في الولايات المتحدة: بدأ الإجماع الحزبي التقليدي الداعم لـ "إسرائيل" في التآكل؛ حيث يزداد تيار "العزلة الأمريكية" بين الشباب الجمهوريين والديمقراطيين الذين يرفضون تمويل "الحروب الإسرائيلية" من أموال دافعي الضرائب.
كما حظيت مشاريع قوانين في مجلس الشيوخ تهدف للحد من تزويد إسرائيل بالمعدات الثقيلة والقنابل بدعم غير مسبوق من أغلبية الديمقراطيين. علاوة على ذلك، أظهرت الاستطلاعات أن 55% من اليهود الأمريكيين يعارضون السياسات الحربية الحالية لإسرائيل. - في أوروبا: تواجه إسرائيل أزمة فهم ديموسياسي؛ إذ يميل "اليمين الإسرائيلي" إلى إهمال الساحة الأوروبية واعتبارها فضاءً ساقطاً ديمغرافياً لصالح المسلمين، في حين تثبت الإحصاءات الفعلية أن نسبة المسلمين لا تتعدى 6-7% في الاتحاد الأوروبي. يرى المحللون الإسرائيليون الواقعيون أن خسارة الساحة الأوروبية تمثل عبئاً سياسياً واستراتيجياً خطيراً يُهدد بقاء الدولة.
تقدير الموقف الاستراتيجي
- هشاشة الاتفاقيات اللبنانية والإيرانية: إن تداخل "الاتفاق الإطاري الإسرائيلي اللبناني" مع "مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية" يخلق شبكة من الالتزامات المتناقضة. رفض حزب الله وإيران لبنود نزع السلاح والتحكم الإسرائيلي الميداني يجعل احتمالية الانهيار الميداني والعودة للمواجهة الشاملة مرتفعة جداً في المديين القصير والمتوسط.
- معضلة "مجلس السلام" في غزة: تكشف المسودات المسربة (عبر صحيفة الجارديان) لـ "مجلس السلام" المكلف بإدارة قطاع غزة عن سعيه لمنح نفسه حصانة قانونية شاملة وصلاحيات واسعة للاستحواذ على الأملاك العامة دون مقابل. هذا التوجه يثير تساؤلات خطيرة حول فرض واقع قانوني واقتصادي استعماري جديد يعزل الإدارة المستقبلية للقطاع عن أي مساءلة أو دور فلسطيني وطني.
- فشل الأهداف الكبرى لحرب "زئير الأسد": لم تنجح "إسرائيل" في تحقيق هدفها الاستراتيجي الأعلى المتمثل في إسقاط النظام الإيراني أو تدمير برنامجه النووي بالكامل. بدلاً من ذلك، دخلت إيران المفاوضات مستندةً إلى أوراق قوتها التقليدية (تعطيل الملاحة في هرمز وتهديد منشآت الطاقة الخليجية).
- تنامي الفجوة الاستراتيجية بين إسرائيل وحلفائها: تعاني "إسرائيل" من استنزاف رصيدها السياسي والدبلوماسي في واشنطن وعواصم الغرب. تحول المساعدات العسكرية الأمريكية من "رصيد" إلى "عبء سياسي" يغذي الاستقطاب الداخلي في أمريكا يفرض قيوداً مستقبلية خطيرة على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية.
- تكامل الجبهات الميدانية الفلسطينية: يُظهر ترابط الأحداث بين غزة والضفة الغربية (من عمليات استخبارية للمقاومة وتصدٍّ شعبي للمستوطنين) أن "المقاربة الإسرائيلية" القائمة على الفصل الميداني قد فشلت، وأن الضفة الغربية تتجه نحو حالة من الانفجار الشامل مدفوعة بإرهاب المستوطنين وتغول الاقتحامات.
الخلاصة التحليلية الشاملة
يُظهر التحليل المتقاطع للمشهدين الميداني والسياسي أن المنطقة تعيش في حالة "ستاتيكو" (الوضع الراهن) مؤقت وهش، تديره إدارة أمريكية ترامبية تبحث عن إنجازات سريعة وصفقات تجارية مالية (من خلال تسييل أموال الخليج مقابل التهدئة الإيرانية)، دون حل الأسباب الجذرية للصراع.
ميدانياً وسياسياً: تعجز "إسرائيل" عن تحويل تفوقها العسكري التكتيكي في غزة ولبنان إلى انتصار سياسي استراتيجي حاسم؛ فالمقاومة في غزة لا تزال تحتفظ بقدرات أمنية واستخبارية قادرة على تفكيك شبكات العملاء، وحزب الله في لبنان يمتلك الفيتو العسكري الفعال لإفشال تطبيق الترتيبات الأمنية للاتفاق الإطاري.
إقليمياً ودولياً: تجد دول المنطقة (كالخليج وتركيا) نفسها مضطرة لإعادة تموضع تكتيكي لحماية مصالحها الحيوية في مجالات الطاقة والاقتصاد من آثار الصفقات الأمريكية الإيرانية الفوقية. وفي العمق، فإن التآكل المستمر في البنية الديمقراطية الداخلية لإسرائيل، وخسارتها المتدرجة للإجماع الداعم لها في الكونغرس والمجتمعات الغربية، يمثلان التهديد الاستراتيجي الأخطر والأعمق على مستقبل كيان العدو، مما يثبت أن السياسات اليمينية الحالية تحولت من رصيد حمائي إلى أداة عزل دولي مستدام