ترجمة الهدهد

تواجه "السياسة الأمنية الإسرائيلية" القائمة على استراتيجية الاستيلاء على الأراضي في لبنان وغزة وسوريا مأزقاً استراتيجياً عميقاً يعيد إلى الأذهان إخفاقات عسكرية تاريخية كبرى.

فوفقاً للباحث "ميخائيل ملشتاين"، فإن محاولة "إسرائيل" جعل السيطرة الجغرافية ركيزة وجودها وضمانة لعدم تكرار فشل الماضي يشبه إلى حد بعيد بناء فرنسا لـ "خط ماجينو" بين الحربين العالميتين والذي انهار أمام الغزو الألماني عام 1940، أو كالحاجز الذكي الذي أقيم على حدود غزة بعد عملية "الجرف الصامد" عام 2014 وتحطم في 7 أكتوبر أمام غارة برية واسعة؛ مؤكداً أن جوهر الإخفاق التاريخي الأخير لم يكن بسبب قرب العدو من الحدود، بل نتيجة سيطرة الغرور والغطرسة، وازدراء منطق الخصم، وتوهم إمكانية تغيير سلوكه عبر مبادرات اقتصادية.

هذا المفهوم الأمني الذي يروج له رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" ووزير جيشه "يسرائيل كاتس" عبر التصريح المستمر بأن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي التي استولت عليها بحجة أن "العربي لا يفهم إلا عندما تُسلب منه أرضه"، يفتقر إلى خطة استراتيجية واضحة المعالم ويثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة "تل أبيب" على مواجهة الضغوط الخارجية المتزايدة للانسحاب، فضلاً عن كونه يعيق قطار التطبيع مع الدول العربية التي تشعر بالفزع مما تراه "مؤامرة للتوسع الإقليمي على حسابها".

كما يحذر "ملشتاين" من خطورة إضفاء دلالات أيديولوجية ودينية قطاعية على هذا التوسع تتبناها الحركة "الصهيونية الدينية" في الحكومة والكنيست عبر الدعوة للضم والطرد والاستيطان في الساحات الثلاث والضفة الغربية تحت شعار "حيثما يوجد استيطان، لا يوجد إرهاب"، وهو ما يُفاقم الجدل الداخلي الحاد حول أهداف الحملة العسكرية.

وفي الواقع، تمر "إسرائيل" حالياً بعملية مؤلمة للاستفاقة والعودة إلى أرض الواقع وتبديد الأوهام التي صاحبت معركة "زئير الأسد" حول انهيار النظام الإيراني، وإبادة الأعداء، وإعادة رسم حدود "سايكس بيكو" بدعم أمريكي كامل، لا سيما في ظل التراجع الاستراتيجي الراهن المتمثل في الاتفاق الدولي مع إيران الذي يهدد "مصالح إسرائيل"، وتصاعد التوتر المكتوم بين "نتنياهو" والرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

حيث يبدو اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في لبنان بمثابة "سلم" لانسحاب إسرائيلي محتمل من الجنوب كأهون الشرين مقارنة بالاستمرار في الاستنزاف واحتلال الأرض بلا أفق، خاصة وأن الحكومة اللبنانية لا تزال ضعيفة، و"حزب الله" الرافض للاتفاق ما زال قوياً ولا يتوقع له الزوال.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن "الهدف الإسرائيلي" الرئيسي لا يجب أن يكمن في التمسك العسكري بالأراضي، بل في ضمان حرية التحرك الميداني لمواجهة التهديدات المستقبلية ومنع عودة النفوذ الإيراني إلى لبنان، وهو ما يتطلب الحفاظ على علاقات طبيعية مع "ترامب" وإثبات قدرة "إسرائيل" على إدارة شؤونها السياسية بالتوازي مع الأنشطة العسكرية؛ مع البدء الفوري في صياغة بدائل للوجود العسكري غير محدد الأهداف، تبدأ بنشر قوات أجنبية أو محلية، وتفعيل الإشراف الأمريكي، والتمسك بالسيطرة على النقاط الاستراتيجية الحيوية مثل "محور فيلادلفيا" على حدود غزة.

وتأسيساً على ذلك، تبرز الحاجة الملحة لتطبيق الدروس الحقيقية لفشل 7 أكتوبر عبر تبني مبدأ "الوقاية" والمبادرة الهجومية في العمق ضد عدو لا يمكن "القضاء عليه" بالكامل في أي ساحة، والقطع النهائي مع سياسة الاحتواء والتقييد التي سادت لسنوات.

وهي مسؤولية مباشرة تقع على عاتق القيادة الحالية التي تسعى لتشكيل الواقع الإقليمي الجديد دون أن تملك الشجاعة للاعتراف بإخفاقاتها السياسية والأمنية أو التحقيق فيها.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ الدكتور ميخائيل ملشتاين"، باحث أول في مركز "دايان" بجامعة "تل أبيب".