الاستيطان يبتلع الضفة الغربية
ترجمة الهدهد
كشف الكاتب "ماتان جولان" عن خطة منهجية ومخططة تقودها حكومة العدو لدفن حل الدولتين وتغيير خريطة الضفة الغربية بشكل استراتيجي.
ويستشهد الكاتب بتصريح لافت للوزير المتطرف "بتسلئيل سموتريتش" أدلى به في أغسطس من العام الماضي بالتزامن مع الموافقة على خطة "E1"، حيث قال: "اليوم نضع الحقائق التاريخية على أرض الواقع، إن الدولة الفلسطينية تُزال من على الطاولة بالأفعال لا بالشعارات، وكل وحدة سكنية هي مسمار آخر في نعش هذه الفكرة الخطيرة".
هذا التحرك الذي يجري بعيدًا عن أعين الإعلام أفرز الموافقة على ما لا يقل عن 103 مستوطنات جديدة، ليرتفع إجمالي النقاط الاستيطانية إلى أكثر من 470 نقطة مصممة للقضاء على أي فرصة للانفصال الإقليمي.
ويحظى هذا التوجه بدعم مباشر من رئيس وزراء العدو "نتنياهو"، وبمتابعة من وزير جيشه "يسرائيل كاتس" الذي أشار مؤخرًا إلى اقتراب تقنين حوالي 140 بؤرة استيطانية إضافية.
وتصف "هاغيت عفران"، من فريق مراقبة المستوطنات التابع لحركة "السلام الآن"، ما يحدث بأنه "ثورة حقيقية تجري في الخفاء تمامًا"، حيث ضخت حكومة العدو الحالية ما لا يقل عن 19.8 مليار شيكل لتطوير البنية التحتية والاستيلاء على مزارع تمتد على مليون دونم، وسط عمليات طرد مشتركة بين الجيش والمستوطنين.
وتحذر "عفران" من أن هذا التوسع سيُلقي بعبء أمني هائل على النظام العسكري، وهو ما ألمح إليه اللواء "آفي بالوت" من القيادة الوسطى حول إمكانية إنشاء فرقة عسكرية جديدة لحماية هذه المناطق.
ويتفق مع هذا الطرح معهد دراسات الأمن القومي بجامعة "تل أبيب"، مؤكدًا أن هذا التحول الأيديولوجي يشكل خطرًا أمنيًا وسياسيًا جسيمًا على "إسرائيل"، ويدفع الفلسطينيين نحو حلول عنيفة نتيجة تقطيع أوصال قراهم وتحويل مناطق صلاحيات السلطة الفلسطينية إلى كانتونات معزولة.
وقد تمثلت النقلة النوعية في هذا المسار عبر نقل الصلاحيات المدنية في المنطقة (ج) إلى إدارة الاستيطان التي يتولاها المتطرف "سموتريتش" نفسه، ونقل الاستشارات القانونية إلى النائب العام لوزارة جيش العدو بدلًا من المستشار القانوني العسكري الملتزم بالقانون الدولي.
كما تم اختصار إجراءات تراخيص البناء، مما أدى إلى طفرة إسكانية غير مسبوقة؛ حيث تمت الموافقة على أكثر من 40 ألف وحدة سكنية (أعلن "سموتريتش" لاحقًا أنها بلغت 60 ألفًا).
ويكشف تحليل البيانات المكاني أن المستوطنات الجديدة، وخاصة في المجلس الإقليمي "شمرون" وتلال الخليل الغربية ومحيط "أريحا" وبلدة "عوجا"، تهدف بشكل دقيق إلى تفتيت المساحات الفلسطينية، ومنع التواصل الجغرافي بين مدن الضفة، وطمس "الخط الأخضر".
وفي هذا السياق، اعتبر "زئيف حيفير" (المعروف بـ "زامبيش")، الأمين العام لـمنظمة "أمونا" الاستيطانية، أن ربط المستوطنات يمثل حلمًا يتحقق لتقليص الفجوات الإقليمية لصالح المستوطنين.
من جانب آخر، يكشف التقرير عن ظواهر غير مسبوقة تتمثل في شرعنة المستوطنات فوق أراضٍ مصنفة كمناطق إطلاق نار (مثل مستوطنة "ماعوز تسور")، أو فوق قواعد عسكرية مهجورة (مثل مستوطنة "ملائكة السلام" المقام جزء منها على أراضي قرية "المغير").
علاوة على ذلك، أظهرت مقارنة البيانات مع خرائط منظمة "بتسيلم" الحقوقية أنه في 19 حالة من أصل 103، تمت الموافقة على بؤر استيطانية تورط مستوطنوها مباشرة في طرد وتطهير قرى فلسطينية مجاورة منذ عام 2022، مثلما حدث في مستوطنات "ماتزوكي إيريتس" (سلسلة مزارع "نتساح هاريل")، و"كنفي هشاحر" (مزرعة "غاون يردن") التي تسبب إنشاؤها في تهجير سكان قريتي "رأس التين" و"عين سامية"، فضلًا عن مزارع "الثانا" و"حرشاش" و"جبوري دافيد" التي ضيقت الخناق على قرى "القابون" و"عين رشاش" و"كعبنة".
وبالرغم من أن لوائح "لاهاي" تشترط إدارة أراضي الدولة لمصلحة السكان الواقعين تحت الاحتلال، إلا أن تقارير "بيمكوم" وجمعية الحقوق المدنية تثبت أن 99% من هذه الأراضي تذهب حصريًا للمستوطنات.
وفيما يتعلق بالمستقبل وإمكانية تراجع الحكومات القادمة عن هذه الخطوات، يرى "درور أتكيس" من منظمة "كيرم نافوت" بسوداوية أن ما حدث لا رجعة فيه، وأن "الدولة" التي عجزت عن كبح جنودها ومستوطنيها لن تخلي البؤر التي تحالفت معها قانونيًا، مما سيغرق "إسرائيل" في مستنقع الفصل العنصري ("الأبرتهايد").
في المقابل، يتبنى الدكتور "شاؤول أرييلي"، رئيس مجموعة "تمرور بوليتوغرافيا" البحثية، رأيًا مغايرًا؛ حيث يرى أن حل الدولتين لا يزال ممكنًا عبر تبادل أراضٍ بنسبة 4%، معتبرًا أن هذه المستوطنات الـ 103 هي مجرد "مناورة بيروقراطية" وتبييض لبؤر قائمة تعاني أصلاً من هجرة عكسية، مؤكدًا أن تضخيم فكرة استحالة الحل هو مجرد انتصار واهم للوعي الاستيطاني على حساب "الرأي العام الليبرالي الإسرائيلي".
المصدر: صحيفة "هآرتس".