ترجمة الهدهد
"افتتاحية هآرتس"

لا تضيع أحزاب الائتلاف الحاكم في إسرائيل" أي وقت؛ إذ تنشط بشكل مكثف للتأثير المباشر في نتائج الانتخابات المقبلة عبر توظيف الأدوات البيروقراطية المتاحة وممارسة الضغوط السياسية الممنهجة.

ويثير هذا السلوك قلقاً عميقاً في الأوساط السياسية والقانونية، مدفوعاً بامتلاك الائتلاف أغلبية برلمانية حاسمة في "الكنيست"، توازيها ضبابية وغياب تام للشفافية في مداولات اللجنة المركزية للانتخابات، مما يفتح الباب أمام تمرير تعديلات تخدم مصالح الحزب الحاكم على حساب نزاهة العملية الديمقراطية.

تكشفت ملامح خطة يسعى الائتلاف من خلالها إلى عرقلة إنشاء نحو 230 مركز اقتراع في تجمعات كبار السن، والتي تشمل مساكن الدعم ودور رعاية المسنين، متراجعاً بذلك عن العُرف المستقر في الحملات الانتخابية الأخيرة. وتهدف هذه الخطوة المستحدثة إلى حرمان نحو 37 ألف ناخب محتمل من الإدلاء بأصواتهم بيسر، لا سيما أن شريحة واسعة منهم تعاني من صعوبات بالغة في الحركة؛ حيث تظهر بيانات وزارة الإسكان أن 17% من هؤلاء يُصنّفون ضمن فئة "غير القادرة على الوصول" لافتقارهم إلى وسائل نقل تنقلهم إلى المقار العامة.

وفي الوقت الذي استغل فيه 30 ألفاً من هؤلاء الناخبين مراكز الاقتراع المُجهزة لذوي الاحتياجات الخاصة في الانتخابات الأخيرة، تأتي العرقلة الحالية مدفوعة بحسابات حزبية ضيقة؛ إذ تشير التقديرات السياسية إلى أن هذه الكتلة التصويتية من كبار السن لا تصب في صالح أحزاب الائتلاف الحاكم المتمثل في حزب "الليكود"، أو الأحزاب "الحريدية"، أو "الصهيونية الدينية"، بل تُحسب — سواء كان ذلك دقيقاً أم افتراضياً — على خزان الأصوات التابع لحزب "إسرائيل بيتنا" أو حزب "العمل" "الديمقراطيين". ومن هذا المنطلق، يستميت حزب "الليكود" في معارضة تيسير الاقتراع داخل دور الرعاية لتجفيف منابع الخصوم.

وفي هذا السياق، جاء نص قانون الانتخابات المقترح متسقاً مع هذه التوجهات الحزبية، إذ خلا تماماً من قرار لجنة دستور "الكنيست" — الذي أصدره رئيس اللجنة عضو "الكنيست" "سيمحا روتمان" — القاضي بإنشاء مراكز اقتراع داخل مراكز كبار السن؛ حيث شُطب هذا البند عمداً وبوعي كامل بتبعات استبعاد وإقصاء شريحة واسعة من المواطنين عن مشهد صناديق الاقتراع.

في المقابل، وبناءً على اشتراطات مباشرة من حزب "الليكود"، أُدرج بند بديل في القانون يهدف إلى تبديد المخاوف بشأن وجود أنشطة إجرامية في سجل ناخبي الحزب؛ حيث يسمح التعديل الجديد لأعضاء الحزب الذي يُجري انتخابات تمهيدية بدفع رسوم عضوية مسؤولين وموظفين آخرين دون أن يُصنف ذلك قانونياً كـ "شراء للأصوات".

ويثير توقيت هذا التعديل التشريعي شبهات حتمية حول التحيز السياسي الممنهج؛ إذ يأتي بعد شهر واحد فقط من تقرير مراقب الدولة الذي حدد آلاف الحالات اللامشروعة التي قام فيها أعضاء من "الليكود" بدفع رسوم موظفين آخرين، مما دفع المراقب حينها إلى توجيه تحذير شديد لحزب "الليكود" من مغبة "التحيز في اختيار مرشحي الكنيست".

ولم تتوقف الشهية التشريعية للائتلاف عند هذا الحد، بل أُدخل تعديل آخر صِيغَ بناءً على طلب مباشرة من "روثمان"، يتيح بموجبه لأفراد "الخدمة الوطنية" المقيمين في الخارج حق التصويت من مقار إقامتهم، في مفارقة صارخة تحرم بعض موظفي الشركات الحكومية المتواجدين في الخارج لأداء مهام رسمية من الخيار ذاته. وتتكامل هذه الخطوات مع مساعٍ متجددة يقودها حزب "الليكود" لفرض تركيب كاميرات مراقبة ثابتة داخل مراكز الاقتراع، وهو الإجراء الذي يُنظر إليه بنوع من الريبة نظراً لما يمثله من انتهاك سافر لخصوصية الناخبين وضغط نفسي قد يوجه خياراتهم الانتخابية.

إن هذه التحركات المتسارعة للحزب الحاكم تضع لجنة الانتخابات المركزية أمام مسؤولية تاريخية تحتم عليها فرض الشفافية المطلقة في مداولاتها، وإحباط أي محاولات سياسية تسعى للتدخل في سير العملية الانتخابية بمبادرة منها. ويقع العبء الأكبر هنا على عاتق رئيس اللجنة، نائب رئيس المحكمة العليا القاضي "نوعام سولبرغ"، المطالب بحماية النزاهة الديمقراطية والوقوف حائط صد أمام تغول أغلبية الائتلاف الحاكم.

كما يتطلب المشهد تحركاً عاجلاً وحاسماً من المستشار القانوني للحكومة والمستشار القانوني لـ "الكنيست" لوضع حد لأي إجراءات تشريعية أو بيروقراطية تسعى للتدخل في آلية التصويت الحر وتحويرها لغايات حزبية ضيقة، ضماناً لسلامة البنية الديمقراطية من أي تشويه.