ترجمة الهدهد

دخلت العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية في كيان العدو نفقاً مظلماً غير مسبوق، عقب إعلان "حكومة نتنياهو" الصادم والمباشر بأنها لن تلتزم بقرار المحكمة العليا القاضي بتقليص عدد أعضاء مجلس السلطة الثانية.

وجاء هذا الحكم بعد تشكك قضاة العدو في استقالة أعضاء المجلس عمداً لعرقلة الإجراءات القانونية، مما فجّر انتفاضة سياسية من جانب حكومة العدو تضع مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة القانون على المحك، وسط تساؤلات حتمية حول ما إذا كان هذا التمرد حدثاً استثنائياً لمرة واحدة، أم بداية لتطبيع تجاهل أحكام القضاء الأعلى.

تواجه محكمة العدو العليا ما لا يقل عن عشرة التماسات مصيرية وحساسة، من بينها ستة قوانين سنّها "الكنيست" وتطالب الالتماسات بإبطالها.

ويبرز في طليعة هذه التشريعات تعديل القانون الأساسي الذي يُغيّر تشكيل لجنة اختيار القضاة؛ حيث ألمح معظم القضاة في جلسة استماع مؤخرة إلى نيتهم التدخل فيه، في حين انتقد رئيس محكمة العدو العليا "إسحاق أميت"، القانون معتبراً إياه إدخالاً لعنصرية سياسية في النظام القضائي.

تشمل الطعون تعديل قانون نقابة المحامين الذي يلغي إلزامية رسوم العضوية ويضعف دور رئيس النقابة عبر نقل السيطرة المالية إلى الدوائر القضائية.

وعلى الصعيد الأمني، تنظر محكمة العدو في ثلاثة قوانين أخرى أثارت ردود فعل واسعة، أولها قانون إنهاء عمليات وكالة "الأونروا" على جميع الأراضي التي يحتلها العدو، وقانون حرمان آباء منفذي العمليات الفدائية القاصرين من الإعانات (وهو تشريع سبق للمحكمة إبطاله)، بالإضافة إلى قانون يمنع توظيف معلمين حاصلين على شهادات من مؤسسات تعليمية تابعة لـ "السلطة الفلسطينية".

يضاف إليها "قانون الجزيرة" الذي طُبق بالفعل لمنع بث وسائل الإعلام الدولية التي تضر بأمن الكيان بناءً على رأي المؤسسة الأمنية لدى العدو، بعدما امتنعت المحكمة العليا عن إصدار أمر احترازي ضده.

ولا تتوقف صلاحيات المحكمة عند اختبار التشريعات، بل تمتد لتشمل قرارات الحكومة والوزارات؛ حيث تبرز أربع ملفات بالغة الخطورة، على رأسها الالتماس المطالب بتشكيل لجنة تحقيق حكومية في التقاعس المرتبط بأحداث 7 أكتوبر.

ورغم إشارة القضاة إلى نيتهم التدخل، يبقى شكل اللجنة مجهولاً، لا سيما بعد موافقة "حكومة نتنياهو" الليلة الماضية على إقرار قانون "لجنة التحقيق السياسية في المجزرة"، وتتوازى هذه الأزمة مع التماسات أخرى تخص قطاع الإعلام، مثل قرار إغلاق محطة الإذاعة العسكرية "غالي تساهال"، ومنع الإعلانات الحكومية في صحيفة "هآرتس" بسبب تصريحات ناشرها "عاموس شوكن".

يواجه رئيس وزراء العدو ضغوطاً قضائية متصاعدة عبر التماسات تدعمها المستشارة القانونية لإقالة وزير الأمن القومي للعدو المتطرف "إيتامار بن غفير".

وتطالب هذه الالتماسات بتوسيع قاعدة "درعي بينهاسي" (التي تلزم إقالة أي وزير توجّه إليه لائحة اتهام)، لتشمل عزل الوزير بناءً على تراكم المخالفات الإدارية والقانونية التي يحددها النائب العام، حتى في حال عدم صدور لائحة اتهام رسمية بحقه.

وتتجه هذه الأزمات نحو ذروة جديدة مع احتمال حل "الكنيست" خلال 10 أيام، وهو ما سيحول الحكومة تلقائياً إلى "حكومة انتقالية" لمدى ثلاثة أشهر وفقاً لأحكام المحكمة العليا، هذا الوضع القانوني يحظر على الحكومة اتخاذ أي قرارات جديدة تقيد صلاحيات الحكومة المقبلة، ويكتفي بالسماح لها بمواصلة الإجراءات السابقة فقط.

ومع توقع صدور عشرات القرارات الفيتوية من المستشار القانوني والمدعين العامين لمنع تغول وزراء العدو، ستكون المحكمة العليا مطالبة بالبت السريع في الطعون ضد أداء حكومة العدو الانتقالية، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام مواجهات دستورية حتمية وممتدة حتى موعد الانتخابات.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"