شبكة الهدهد

أولاً: ملخص للأوضاع الميدانية والسياسية

شهدت الساعات الماضية تصعيداً عسكرياً ودراماتيكياً غير مسبوق تركزت جبهته الرئيسية في منطقة الخليج العربي وجنوب إيران، تزامناً مع استمرار الخروقات والتوترات الميدانية في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، ووسط حراك سياسي وعسكري "إسرائيلي" داخلي معقد.

  1. الجبهة الإقليمية والدولية (المواجهة الأمريكية - الإيرانية)
  • انهيار وقف إطلاق النار: أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في قمة الناتو بأنقرة انتهاء مفعول "مذكرة التفاهم" مع إيران (الموقعة قبل ثلاثة أسابيع)، واصفاً القيادة الإيرانية بـ"المخادعة". وبدأت القوات الأمريكية بالفعل إعادة طائرات التزود بالوقود إلى الشرق الأوسط.
  • موجة غارات أمريكية واسعة: شنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) هجمات صاروخية وجوية استهدفت البنية التحتية العسكرية والحيوية في جنوب وشرق وشمال إيران (شملت رادارات ساحلية للحرس الثوري، مواقع صواريخ مضادة للسفن، منشآت ومجهّزات طيران في مطار إيرانشهر، وجسور سكك حديدية في آق قلا). واستهدفت الضربات مدن وجزر حيوية مثل بندر عباس، بوشهر، تشابهار، سيريك، وجزيرة أبو موسى.
  • الرد والتهديد الإيراني: أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف 85 منشأة عسكرية أمريكية في البحرين والكويت، ودوت صفارات الإنذار في البلدين. وهددت طهران بإغلاق مضيق هرمز واستهداف كافة القواعد التي انطلقت منها الطائرات الأمريكية.
  • الملف السوري والتركي: في خطوة استراتيجية لافتة، أبلغ "ترامب" الكونغرس بنيته إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب لتسهيل إعمارها ومساعدتها في تحجيم دور حزب الله. وفي سياق آخر، تضغط إسرائيل لإفشال أو تقليص صفقة طائرات F-35 الأمريكية لتركيا، وسط إصرار من الرئيس التركي أردوغان على إتمامها.
  1. الجبهة الفلسطينية (غزة والضفة الغربية)
  • قطاع غزة: استمرت الخروقات اليومية لوقف إطلاق النار (المعلن منذ 11 أكتوبر)؛ حيث ارتقى أكثر من 10 شهداء في غارات متفرقة ركزت على استهداف خيام النازحين في خان يونس (المسلخ التركي)، ومركبة مدنية في شارع الجامعات بغزة، إضافة إلى إطلاق نار من آليات وزوارق العدو في رفح وحي التفاح والبريج. ووفقاً لوزارة الصحة، بلغ العدد التراكمي للشهداء منذ أكتوبر 2023 (73,110 شهيداً)، وسط كارثة صحية تمثلت في تسجيل 9300 إصابة بجدري الماء خلال أسبوع واحد.
  • المسار السياسي لغزة: وصل وفد من حركة حماس برئاسة خليل الحية إلى مصر بهدف تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة الثانية.
  • الضفة الغربية: تصاعدت اعتداءات المستوطنين بشكل لافت (تأهيل طرق لبؤر استيطانية جديدة في نابلس وبيت لحم، وهجمات على مسافر يطا بالخليل). وتزامن ذلك مع اقتحامات مستمرة لجيش العدو في رام الله وجنين وبيت لحم واعتقال مواطنين. كما منعت قيادة المنطقة الوسطى رئيس وزراء السلطة الفلسطينية "محمد مصطفى" من الوصول إلى برك سليمان في بيت لحم احتجاجاً على بناء مسجد.
  1. جبهة جنوب لبنان
  • تشهد جبهة جنوب لبنان وتيرة استهدافات منخفضة نسبياً تقتصر على قصف مدفعي ونسف منشآت غير مأهولة (مثل بلدات الطيبة، وحداثا، والطيري، ووادي الحجير) لإيصال رسائل سياسية للداخل الإسرائيلي. في المقابل، تشترط الدولة اللبنانية انسحاب إسرائيل من المناطق التجريبية قبل المضي في جولات تفاوضية جديدة في روما.

4. الأوضاع داخل كيان العدو

  • أزمة الائتلاف الحكومي: يواجه نتنياهو تهديداً حقيقياً من حزبي "شاس" و"يهدوت هتوراة" بالانسحاب وتفكيك الائتلاف في حال عدم إقرار "قانون أساس دراسة التوراة" الذي يعفي الحريديم من التجنيد ويمنحهم مزايا المقاتلين، وهو القانون الذي ترفضه المعارضة و56% من الشارع الإسرائيلي، ويشهد اعتراضات داخل الليكود نفسه.
  • انقلاب في استطلاعات الرأي: أظهر استطلاع القناة 13 تراجعاً لليكود؛ حيث صعد حزب "ياشار" بقيادة غادي آيزنكوت كأكبر حزب بـ23 مقعداً، وتفوّق آيزنكوت على نتنياهو في ملاءمة رئاسة الوزراء (46% مقابل 36%).
  • أزمات الليكود والتجنيد: يتهم كبار مسؤولي الليكود نتنياهو بالمماطلة لتجنب الانتخابات التمهيدية (البرايمرز)، بالتزامن مع دخول ديوان الرقابة لتفتيش سجلات الحزب بشبهة نشاط إجرامي وتزوير. في غضون ذلك، طالب رئيس الأركان زامير بتوسيع صفوف الجيش بشكل عاجل واصفاً التجنيد بأنه ضرورة عملياتية.

ثانياً: تحليل لتقدير الموقف في نقاط

  1. انفجار المواجهة المباشرة في الخليج: تجاوزت الولايات المتحدة وإيران مرحلة الحروب بالوكالة إلى المواجهة العسكرية المباشرة فوق المياه الإقليمية وفي العمق الإيراني. قرار "ترامب" بالهجوم الساحق يعكس استراتيجية "الردع العنيف بالأصالة" لإنهاء ما يراه مماطلة إيرانية في الملف النووي.
  2. استغلال "إسرائيل" للأزمة الإقليمية: تجد "إسرائيل" في الضربات الأمريكية فرصة ذهبية للتخلص من الضغوط الدولية بشأن خروقاتها في غزة ولبنان. "نتنياهو" يحاول دفع واشنطن لتوسيع العمليات لتشمل تدمير مخزون اليورانيوم المخصب في إيران، مستغلاً حالة التأهب القصوى وتنسيقه المباشر مع ترامب وسنتكوم.
  3. أزمة تآكل الشرعية لـ "نتنياهو": على الرغم من استعراض القوة العسكرية، فإن الجبهة الداخلية لـ "نتنياهو" متصدعة للغاية. الابتزاز السياسي من الأحزاب الحريدية (شاس ويهدوت هتوراة) يضعه بين خيارين أحلاهما مر: إما إقرار قانون التجنيد وتعميق الشرخ مع الجيش والجمهورية العلمانية، أو رفضه وتفكيك حكومته.
  4. تنامي قوة التيار العسكري المعارض (آيزنكوت): صعود غادي آيزنكوت في الاستطلاعات يعكس رغبة الشارع الإسرائيلي في قيادة أمنية حازمة وتقليدية بعيدة عن المناورات السياسية لـ "نتنياهو"، مما يفسر محاولات الأخير كسب الوقت وتأجيل أي استحقاق انتخابي.
  5. انفلات ملف الاستيطان والجرائم القومية: قفوز قضايا الجرائم القومية للمستوطنين بالضفة بمقدار 5 أضعاف (من 139 عام 2019 إلى 779 عام 2025) مع ضعف المحاسبة (6.6% فقط لوائح اتهام) يشير إلى غطاء سياسي مباشر من مكتب بن غفير لتغيير الديموغرافيا بشكل نهائي وفرض سياسة الهدم والتهجير (مثل مدرسة الرفاعية).
  6. المعادلة اللبنانية الحذرة: تدرك إسرائيل أن فتح جبهة واسعة مع حزب الله في الوقت الحالي غير ممكن عملياتياً في ظل استهلاك قواتها وحاجتها لتوسيع صفوف الجيش، لذا تكتفي بخروقات محدودة لمنشآت غير مأهولة للحفاظ على ماء الوجه أمام معارضتها الداخلية.

ثالثاً: خلاصة تحليلية شاملة

تشير القراءة الكلية للمشهد في 09 يوليو 2026 إلى أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمنعطف استراتيجي يعاد فيه رسم موازين القوى من خلال "الدبلوماسية الخشنة" والعمل العسكري المباشر.

الولايات المتحدة بقيادة "ترامب" تسعى إلى فرض معادلة "الالتزام الصارم أو التدمير العسكري" مع إيران، مستخدمةً التفوق الجوي والبحري لشل قدرات طهران التقليدية ومنعها من حيازة السلاح النووي، مع تقديم جزرات سياسية لأطراف أخرى (مثل دمشق) لتفكيك حلفاء إيران الإقليميين. ورغم الخسائر الحادة للبنية التحتية الإيرانية، إلا أن خيارات طهران بالرد عبر حلفائها وإغلاق الممرات المائية لا تزال تمثل تهديداً قادراً على جر المنطقة إلى حرب استنزاف شاملة ورفع أسعار الطاقة العالمية بشكل جنوني.

أما بالنسبة للكيان الإسرائيلي، فإن هذه التطورات تمثل "طوق نجاة خارجي" لحكومة نتنياهو المأزومة داخلياً. "نتنياهو" يستغل قرع طبول الحرب مع إيران للتغطية على قضايا الفساد داخل حزبه، والتملص من الاستحقاقات الانتخابية، ومواصلة القضم التدريجي لقطاع غزة عبر الخروقات اليومية وسلسلة الاغتيالات، وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية. ومع ذلك، فإن هذا الهروب إلى الأمام يصطدم بحقيقة ميدانية واقتصادية واجتماعية قاسية داخل كيان العدو؛ فالجيش يعاني من نقص حاد في القوة البشرية، والشرخ الاجتماعي يتسع بسبب قضايا الحريديم، والشرعية السياسية لنتنياهو تتآكل لصالح تيار العسكر (آيزنكوت).

السيناريو المتوقع: استمرار الضربات المتبادلة في الخليج لعدة أيام قبل الوصول إلى صيغة تفاوضية جديدة تحت النار، تزامناً مع إبقاء جبهتي غزة والضفة في حالة توتر دائم دون تدحرج جبهة لبنان إلى حرب واسعة، بانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الأمريكية الإيرانية المباشرة أو غير المباشرة.