الأمير الذي غيّر قطر والشرق الأوسط
ترجمة الهدهد
يمثل رحيل الأمير الوالد "حمد بن خليفة آل ثاني"، عن عمر ناهز 74 عاماً، نهاية حقبة سياسية وتاريخية فارقة في الشرق الأوسط؛ إذ يُصنف كأحد أكثر القادة العرب تأثيراً وجرأة في العقود الأخيرة، والمسؤول الأول عن صياغة الاستراتيجية التي جعلت من قطر دولة ذات نفوذ دولي يتجاوز حدود حجمها الجغرافي بكثير.
فمنذ تسلمه مقاليد الحكم عبر انقلاب أبيض على والده عام 1995، نقل البلاد من مجرد إمارة خليجية صغيرة تدور في الفلك السعودي، إلى قوة طاقة عالمية ووسيط إقليمي لا يمكن تجاوزه حتى الوقت الحالي.
ويرتكز الإرث الاقتصادي والسياسي للأمير الراحل على رؤيته المبكرة لتطوير حقول الغاز الطبيعي المسال، وهو الاستثمار الضخم الذي حوّل قطر إلى واحدة من أغنى دول العالم من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومنحها الموارد المالية الضخمة لتبني سياسة خارجية هجومية وفاعلة عبر صندوقها السيادي والاستثمارات العابرة للقارات.
ولم تقتصر رؤيته على النفوذ المالي، بل امتدت لتشمل السيطرة على الوعي الإعلامي من خلال تأسيس شبكة "الجزيرة" عام 1996 لتصبح قوة إعلامية عظمى شكلت الأجندة العربية، بالتوازي مع ترسيخ مكانة الدوحة كقناة اتصال موثوقة ووسيط رئيسي في أزمات المنطقة المعقدة من لبنان والسودان إلى أفغانستان وغزة، ناهيك عن وضعه حجر الأساس للمشروع الوطني لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022.
وتتسم السياسة الخارجية التي صاغها الأمير الراحل ببراغماتية بالغة التعقيد والجرأة؛ حيث نجح في الحفاظ على تحالف استراتيجي متين مع الولايات المتحدة مستضيفاً أكبر قواعدها العسكرية في المنطقة، وفي الوقت ذاته توطيد العلاقات مع إيران، ودعم حركة حماس سياسياً واقتصادياً ليصبح أول زعيم عربي يزور قطاع غزة عقب تشكيل الحركة الحكومة عليه عام 2012.
وعلى الجانب الآخر، قاد في تسعينيات القرن الماضي انفتاحاً حذراً وتطبيعاً جزئياً مع "إسرائيل" شمل فتح مكتب تجاري وتبادل زيارات وقنوات اتصال مباشرة، انطلاقاً من فلسفته الدبلوماسية القائمة على مبدأ "الحوار مع الجميع" حتى وإن كانوا أعداءً متخاصمين.
وقد انعكست هذه الاستراتيجية المرنة بشكل مباشر على نظام الحكم الحالي؛ إذ انتهج ابنه الأمير "تميم بن حمد آل ثاني" ذات الخطوط العريضة التي رسمها والده منذ تسلمه العرش عام 2013 إثر قرار الأمير الوالد بالتنحي طوعاً بسبب ظروفه الصحية، ليرسي بذلك سابقة فريدة في منطقة الخليج العربي.
ومع رحيل الأمير الوالد الذي عانى لسنوات من داء السكري وأمراض الكلى، تواصل قطر المضي قدماً بذات النهج القائم على تعظيم نفوذها الخارجي عبر توليفة الدبلوماسية، والوساطة، والاقتصاد، والإعلام، لتثبت دقة الرؤية التي وضعت أسسها قبل ثلاثة عقود.
المصدر: "القناة 12"/ "يوئيل غوزانسكي"/ خبير في شؤون دول الخليج وزميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بجامعة "تل أبيب".